أوَّلًا، ومراقبةِ الله، وخوفِ سَطْوَتِه، ومخالفةِ الفَسَقَةِ، ثمَّ أمره بتقبيل خدِّ من يحبُّه كلَّ يوم عشر مرات، وهذا قطعًا إنَّما أراد به مَنْ يَحِلُّ له تقبيلُه من زوجةٍ، أو سُرِّية، فأمرَه أن يعتاضَ بقُبلتها عن قُبْلة من لا تحلُّ له، ولا يَظُنُّ بعلماء الإسلام غير هذا إلا مُفْرِطٌ في الجهْلِ، أو مُتَّهَمٌ على الدِّين.
وأمَّا ما ذكره المبرِّد عن الأعرابيّ الذي سأل الفتى المكيَّ عن القُبلة في رمضان، فقال: للزَّوجة سبعٌ، وللخُلَّة ثمان، فهذا المُستفتي والمُفتي لا يُعرَف واحدٌ منهما حتَّى يُقْبل خبرُه، ولو صحَّ ذلك، وعُرف المستفتي والمُفتي؛ لكانت الخُلَّةُ هي أمَته الجميلة، وهي التي يَحِلُّ تقبيلُها ثمانيًا فأكثر. وأما أن يُفتيَ أحدٌ من أهل الإسلام بأنَّه يحِلُّ تقبيلُ المرأة الأجنبية المحرَّمة عليه ثمانيًا في رمضان، فمعاذ الله من ذلك!.
وهكذا حكمُ الأثر الذي ذكره١ الخطيبُ في كتاب «رواة مالك»، ولا يُظَنُّ بعالم أنَّه تمنَّى أن يقبِّل امرأةً أجنبيةً وهو مُحْرِم ببطن مِنًى؛ فإنَّ القُبلة المذكورة تُعَرِّضُ الحجَّ للفساد، وتُبطلهُ عند طائفة، فإن صحَّ هذا فإنَّما أراد امرأته، أو أمته.
وأمَّا الأثر الذي [٤٩ أ] ذكره الحاكم في مناقب الشَّافعي رحمه الله تعالى فليس بين الحاكم وبين الرَّبيع من يُحْتَجُّ به، ويدلُّ على أنَّ القِصَّة
وهذا إنَّما هو حكاية المُستفتي قول المُفتي، فمن هو الحاكي عن الشَّافعيِّ؟ فدَعُوا هذه الأكاذيب والتُّرَّهات!
وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان بن بنت جامع، فمن ذكر هذا عن عمرو؟ ومن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مُرْخيَة هذا؟ وهذا موضعُ البيتين المشهورين١:
سألْنا عن ثُمالَة كلَّ حيٍّفقال القائلون: ومنْ ثُمَالَهْ؟
فقلتُ محمَّدُ بن يزيدَ منهمفقالُوا زدتَنا بهمُ جَهالهْ
وهل يحلُّ لأحدٍ أن يُصدِّق عن مالكٍ والليثِ بن سعد أنَّهما أجازا تقبيلَ خدِّ المرأة الأجنبية المعشوقة، أو خدِّ الأمرد الجميل الصُّورة؟ هذا وقصَّةُ مالك مع الذي ضمَّ صبيًا إليه، فأفتى بضربه ستمئة سوطٍ، فمات، فقال له أبو الفتى: قتلت ابني! فقال: قتلَه الله. فمن هذا تشديدُه وفتواه؛ هل
(١) لعبد الصمد بن المعذل كما في «ديوانه» (ص ١٥٦)، و«أمالي» القالي (١/ ١١٣)، و«سمط اللآلي» (١/ ٣٣٩). وانظر: العقد الفريد» (٣/ ٣٨٦، ٥/ ٣٠٠)، و«التنبيهات على أغاليط الرواة» (ص ١٤٤)، و«وفيات الأعيان» (٤/ ٣٢٠). وفيه: ويقال إن هذه الأبيات للمبرد، وكان يشتهي أن يشتهر بهذه القبيلة، فصنع هذه الأبيات، فشاعت وحصل له مقصوده من الاشتهار.