وهذا إنَّما هو حكاية المُستفتي قول المُفتي، فمن هو الحاكي عن الشَّافعيِّ؟ فدَعُوا هذه الأكاذيب والتُّرَّهات!
وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان بن بنت جامع، فمن ذكر هذا عن عمرو؟ ومن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مُرْخيَة هذا؟ وهذا موضعُ البيتين المشهورين١:
سألْنا عن ثُمالَة كلَّ حيٍّفقال القائلون: ومنْ ثُمَالَهْ؟
فقلتُ محمَّدُ بن يزيدَ منهمفقالُوا زدتَنا بهمُ جَهالهْ
وهل يحلُّ لأحدٍ أن يُصدِّق عن مالكٍ والليثِ بن سعد أنَّهما أجازا تقبيلَ خدِّ المرأة الأجنبية المعشوقة، أو خدِّ الأمرد الجميل الصُّورة؟ هذا وقصَّةُ مالك مع الذي ضمَّ صبيًا إليه، فأفتى بضربه ستمئة سوطٍ، فمات، فقال له أبو الفتى: قتلت ابني! فقال: قتلَه الله. فمن هذا تشديدُه وفتواه؛ هل
(١) لعبد الصمد بن المعذل كما في «ديوانه» (ص ١٥٦)، و«أمالي» القالي (١/ ١١٣)، و«سمط اللآلي» (١/ ٣٣٩). وانظر: العقد الفريد» (٣/ ٣٨٦، ٥/ ٣٠٠)، و«التنبيهات على أغاليط الرواة» (ص ١٤٤)، و«وفيات الأعيان» (٤/ ٣٢٠). وفيه: ويقال إن هذه الأبيات للمبرد، وكان يشتهي أن يشتهر بهذه القبيلة، فصنع هذه الأبيات، فشاعت وحصل له مقصوده من الاشتهار.
يُفتي بجواز تقبيل خدود المُرْد الحِسان؟ نعم ما حرَّم الرحمنُ قُبلةَ عاشقٍ يَحِلُّ لمعشوقه مواصلتُه، ولا قُبلة الرَّجل خدَّ ولده، كما قبَّل أبو بكر الصدِّيق ﵁ خدَّ ابنته عائشة ﵂.
ورأى أعرابيٌّ النَّبيَّ ﷺ يُقبِّل أحد ابنيْ ابنته فقال: وإنكم لتُقبِّلون الصِّبيان؟ إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُهم! فقال: «أوَ أمْلِكُ إن نزَعَ الله الرَّحْمَة منْ قلْبِك»١.
وأما صاحبُ كتاب «رُسْتاق الاتفاق» وهو شاعر المصريين، فلعمرُ الله لقد أفسدْتَ؛ إذ أسندتَ، فإنَّه الفاسقُ الماجنُ المسمى أبا الرّقَعْمَق، ولكن لا يُنكر هذا المتنُ بهذا الإسناد، فإنَّه لا يليق إلَاّ به.
وأمَّا قِصَّة إبراهيم بن المدبَّر عن أبي بكر بن عيَّاش، فنقلٌ غير مُصدَّقٍ عن قائلٍ غيرِ معصوم.
وأمَّا ما ذكروا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فو الذي لا إله غيرُه إنَّه لمنْ أقبح الكذب عليه! [٤٩ ب] ولو أنَّ هذا الكاذبَ الفاسق نفَّق هذه الكذبة بغيره؛ لراج أمرُها بعض الرَّواج، ولكن منْ شدَّة جهله نفَّقها بأحمد بن حنبل، وهو كمن ينسب إليه القولَ بأنَّ القرآن مخلوقٌ، أو تقديمَ عليٍّ على أبي بكر، أو تقديمَ الرأْي على السُّنَّة، وأمثالَ ذلك.
وكذلك ما ذُكِر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو صحَّ لم تكن فيه
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧) من حديث عائشة.