روضة المحبين

حجَّةٌ لهذه الطائفة، فإنَّه قال: لا إثمَ فيه إذا كانت لعشرٍ وأربع، ولم يقل إذا كانت أجنبيةً، ونحن نقول بما قال به أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا كان المعشوق حلالًا.

وأمَّا ما ذُكر عن الطحاويِّ؛ فلا نعلم صحته عنه، وإن صحَّ فإنما أراد به التقبيلَ المباح، فإنَّ الرجل قد يُبتلى بهجر زوجته، أو أمَته له، فيسألُ أطبَّاءَ الدِّين، وأطباءَ الجِسْم، وأطباءَ الحبِّ عن دوائه، فيجيبه كلٌّ منهم بمقتضى علمِه، وما عندَه.

وقد شكا مُغِيثٌ زوجُ بَرِيرَة حبَّه لها فشفعَ عندَها [النبيُّ ﷺ] أن تراجعَه، فلم تفعل١.

وشكا إليه رجلٌ أنَّ امرأَته لا تردُّ يدَ لامسٍ، فقال: «طلِّقها» فقال: إنِّي أخافُ أن تتبعَها نفسي، فقال: «استمتعْ بها». ذكره الإمام أحمد والنَّسائيُّ٢.

قال بعضُ أهل العلم: راعى النبيُّ ﷺ دفعَ أعلى المفسدتين

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.
  2. (٢) لم أجده في «المسند»، وأخرجه النسائي (٦/ ٦٧، ١٦٩)، وأبو داود (٢٠٤٩) من حديث ابن عباس. وقال النسائي: عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه، قال: وهذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث.
200

بأدناهما، فإنه لما شكا إليه أنَّها لا ترُدُّ يدَ لامسٍ؛ أمرَه بطلاقها، فلمَّا أخبرَه عن حبِّها وأنَّه يخافُ ألَاّ يصبِرَ عنها، ولعلَّ حبَّه لها يدعوه إلى معصيةٍ؛ أمره أن يمسكها؛ مداواةً لقلبه، ودفعًا للمفسدة التي يخافُها باحتمال المفسدة التي يشتكي منها.

وأجاب أبو عبيد عنه بأنّها كانت لا ترُدُّ يدَ لامسٍ يطلبُ منها العطاء، فكانت لا تَرُدُّ يد من سألها شيئًا من مال الزَّوج، ورُدَّ عليه هذا التأْويل بأنَّه لا يُقال لطالب العطاء: لامسٌ، وإنَّما يقال له: ملتمسٌ. وأجابت طائفة أُخرى عنه بأنَّ طريان المعصية على النكاح لا تُوجب فساده. وقال النَّسائيُّ: هذا الحديث مُنكر.

وعندي أنَّ له وجهًا غيرَ هذا كلِّه، فإنَّ الرَّجل لم يشكُ من المرأة أنَّها تزني بكلِّ مَنْ أراد ذلك منها، ولو [٥٠ أ] سألَ عن ذلك لما أقرَّه رسولُ الله ﷺ على أن يقيم مع بَغِيٍّ، ويكون زوج بَغيٍّ دَيُّوثًا، وإنَّما شكا إليه أنَّها لا تجذِبُ نفسها مِمَّن لاعبَها، ووضع يده عليها، أو جذبَ ثوبها، ونحو ذلك، فإنَّ من النِّساء من تلين عند الحديث واللَّعب ونحوه. وهي حَصانٌ عفيفةٌ إذا أُريد منها الزنى، وهذا كان عادة كثيرٍ من نساء العرب، ولا يَعُدُّون ذلك عيبًا، بل كانوا في الجاهلية يرون للزَّوج النِّصفَ الأسفلَ، وللعشيق النصف الأعلى١.

  1. (١) ش: «الآخر».
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي