روضة المحبين

وضيَّق بابَ المناسبات، والمعاني، والحِكَم الشرعية جدًّا، وهو من انحرافه في الطَّرفين حتى ردَّ الحديث الذي رواه البخاريُّ في صحيحه١ في تحريم آلات اللهو بأنَّه معلَّق غيرُ مسْنَد، وخَفِيَ عليه: أنَّ البخاريَّ لقي من علَّقه عنه، وسمع منه، وهو هشام بن عمَّار، وخفي عليه: أنَّ الحديث قد أسنده غير واحدٍ من أئمَّة الحديث عن هشام بن عمَّار٢، فأبطل سُنَّةً صحيحةً ثابتةً عن رسول الله ﷺ لا مَطْعَنَ فيها بوجهٍ.

وأمَّا مَنْ حاكمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فنحن راضون بحكمه، فأين أباحَ لكم النظر المحرَّم، وعِشْقَ المُردان، والنِّساء الأجانب؟ وهل هذا إلا كذبٌ ظاهر عليه؟ وهذه تصانيفُه وفتاواه كلُّها ناطقةٌ بخلاف ما حكيتموه عنه؟ وأما الفُتْيا التي حكيتموها؛ فكذبٌ عليه، لا تُناسب كلامَه بوجهٍ، ولولا الإطالة لذكرناها جميعَها حتى يعلمَ الواقف عليها: أنَّها لا تصدُر عمَّن دونه فضلًا عنه، وقلت لمن أوقفني عليها: هذه كذبٌ عليه، لا تُشبه كلامه، وكان بعض الأُمراء قد أوقفني عليها قديمًا، وهي بخط رجلٍ متَّهَمٍ بالكذب، وقال لي: ما كنت أظنُّ الشيخَ برِقَّة هذه الحاشية، ثمَّ تأملتُها فإذا هي كذبٌ عليه، ولولا الإطالة

  1. (١) رقم (٥٥٩٠).
  2. (٢) أخرجه موصولًا أبو داود (٤٠٣٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٢٢١).
    وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ٥٢ - ٥٣)
203

لذكرنا من فتاويه ما يُبيِّن: أنَّ هذه كذب.

وأمَّا ما ذكرتُم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فنحن لا ننكر هذه القاعدة، بل هي من أصحِّ قواعد الشريعة، ولكنَّ الشأن في إدخال هذه الصورة فيها، ونحن نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها، فإنَّ احتمال مفسدة ألم الحبِّ مع غضِّ البصر، وعدم تقبيل المحبوب، وضمِّه، ونحو ذلك أقلّ من مفسدة النَّظر والتَّقبيل، فإنَّ هذه المفسدة تَجُرُّ إلى هلاك القلب وفساد الدين، وغايةُ ما يُقَدَّر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقمُ الجسد، أو الموتُ تفاديًا عن التعرُّض للحرام، [٥١ أ] فأين إحدى المفسدتين من الأخرى؟ على أنَّ النظر، والقُبلة، والضمَّ لا يمنع السُّقم والموت الحاصل بسبب الحبِّ، فإنَّ الْعِشْقَ يزيدُ بذلك، ولا يزول.

فما صبابَةُ مشتاقٍ على أمَلٍمن الوِصال كمشتاقٍ بلا أمَلِ١

ولا ريب أنَّ محبَّة من طَمِعَ أقوى من محبَّة من يئس من محبوبه، ولهذا قيل:

وأبرحُ ما يكونُ الحبُّ يومًاإذا دَنتِ الدِّيارُ من الدِّيارِ٢

فإن قيل: فقد أباح الله سبحانه للمُضطر الميتةَ، والدَّمَ، ولحمَ

  1. (١) البيت للمتنبي في «ديوانه» (٣/ ١٩٩).
  2. (٢) سبق تخريجه.
204

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي