روضة المحبين

لذكرنا من فتاويه ما يُبيِّن: أنَّ هذه كذب.

وأمَّا ما ذكرتُم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما؛ فنحن لا ننكر هذه القاعدة، بل هي من أصحِّ قواعد الشريعة، ولكنَّ الشأن في إدخال هذه الصورة فيها، ونحن نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها، فإنَّ احتمال مفسدة ألم الحبِّ مع غضِّ البصر، وعدم تقبيل المحبوب، وضمِّه، ونحو ذلك أقلّ من مفسدة النَّظر والتَّقبيل، فإنَّ هذه المفسدة تَجُرُّ إلى هلاك القلب وفساد الدين، وغايةُ ما يُقَدَّر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقمُ الجسد، أو الموتُ تفاديًا عن التعرُّض للحرام، [٥١ أ] فأين إحدى المفسدتين من الأخرى؟ على أنَّ النظر، والقُبلة، والضمَّ لا يمنع السُّقم والموت الحاصل بسبب الحبِّ، فإنَّ الْعِشْقَ يزيدُ بذلك، ولا يزول.

فما صبابَةُ مشتاقٍ على أمَلٍمن الوِصال كمشتاقٍ بلا أمَلِ١

ولا ريب أنَّ محبَّة من طَمِعَ أقوى من محبَّة من يئس من محبوبه، ولهذا قيل:

وأبرحُ ما يكونُ الحبُّ يومًاإذا دَنتِ الدِّيارُ من الدِّيارِ٢

فإن قيل: فقد أباح الله سبحانه للمُضطر الميتةَ، والدَّمَ، ولحمَ

  1. (١) البيت للمتنبي في «ديوانه» (٣/ ١٩٩).
  2. (٢) سبق تخريجه.
204

الخنزير، وتناوُلُها في هذا الحال واجبٌ عليه. قال مسروق والإمام أحمد رحمهما الله تعالى: من اضْطُرَّ إلى أكل الميتة، فلم يأكلْ، فماتَ؛ دخل النَّار، فغايةُ النَّظرة، والقُبْلة، والضَّمة أن تكون محرَّمةً، فإذا اضْطُرَّ العاشق إليها، فإن لم تكن واجبةً، فلا أقلَّ من أن تكون مباحةً، فهذا قياسٌ واعتبارٌ صحيح، وأين مفسدةُ موتِ العاشق إلى مفسدة ضمِّه، ولثمه؟

فالجواب: أنَّ هذا يتبين بذكر قاعدة، وهي: أنَّ الله ﷾ لم يجعل في العبد اضطرارًا إلى الجماع، بحيث إن لم يفعلْه؛ مات، بخلاف اضطراره إلى الأكل، والشرب، واللباس، فإنَّه من قِوام البدن؛ الذي إن لم يباشره؛ هلك.

ولهذا لم يُبحْ من الوَطْءِ الحرام ما أباح من تناوُل الغذاء والشراب المحرَّم، فإنَّ هذا من قبيل الشهوة واللَّذة؛ التي هي تتمةٌ وفَضْلَة، ولهذا يمكن الإنسانَ أن يعيش طول عمره بغير تزوُّج، وغير تَسَرٍّ، ولا يمكنه أن يعيش بغير طعام ولا شرابٍ، ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ الشباب أن يداووا هذه الشَّهوة بالصَّوم١، وقال تعالى عن عشَّاق المُرْدان: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف/٨١].

فأخبر أنَّ الحامل على ذلك مجرَّدُ الشهوة، لا الحاجةُ، فضلًا عن

  1. (١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠) عن ابن مسعود.
205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي