روضة المحبين
مِنْ غيرِ ما فُحْشٍ ولا ريبةٍبل بعناقٍ جائزِ الحدِّ
إنْ كنتَ ما تُفتِي فإنِّي إذًاأصيحُ من وَجْدي وأسْتعدي؟

فكتب رحمه الله تعالى الجواب:

يا ذا الذي ذابَ من الوَجْدوظلَّ في ضُرٍّ وفي جَهْدِ
اسمعْ فَدَتْكَ النَّفْسُ مِنْ ناصحٍبنصحِه يَهْدِي إلى الرُّشْدِ
لو صحَّ منك العِشْقُ ما جئتنيتسألُني عنه وتَسْتَعْدِي
فالعاشقُ الصَّادقُ في حُبِّهما باله يسألُ ما عِنْدي
غيَّبَه العِشْقُ فَمَا إنْ يُرىيعيدُ في العِشْقِ ولَا يُبْدي
وكلُّ ما تَذْكُرُ مستفتيًاحرَّمَه الله على العَبْدِ
إلا لِمَا حلَّله ربُّنافي الشَّرعِ بالإبرام والعَقْدِ
فَعَدِّ عن طُرْق الهوى مُعْرِضًاوقفْ ببابِ الواحدِ الفَرْدِ
وسَلْه يَشْفيْكَ ولا يَبتليقلبَكَ بالتَّعذيبِ والصَّدِّ
وعِفَّ في العِشْقِ ولا تُبْدِهِواصْبِرْ وَكاتمْ غايَةَ الجُهْدِ
فإن تَمُتْ مُحتسبًا صابِرًاتفُزْ غدًا في جنَّة الخُلْد
209

الباب العاشر

في ذكر حقيقة العشق وأوصافه [٥٢ ب]

وكلام النَّاس فيه١

فالَّذي عليه الأطباء قاطبةً: أنَّه مرض وَسْوَاسي شبيهٌ بالماليخوليا، يَجْلِبُهُ المرءُ إلى نفسه بتسليط فكره على استحسانِ بعض الصُّور والشمائل، وسببُه النفسانيُّ: الاستحسانُ والفكر، وسببُه البَدَنيُّ: ارتفاعُ بخارٍ رديءٍ إلى الدِّماغ من مَنِيٍّ مُحْتَقِنٍ، ولذلك أكثر ما يعتري العُزَّاب، وكثرةُ الجماع تزيلهُ بسرعة.

وقال بعضُ الفلاسفة٢: العشق طمعٌ يتولَّد في القلب، ويتحرَّك، ويَنْمي، ثم يَتربَّى، وتجتمعُ إليه موادُّ من الحرص، وكلَّما قويَ؛ ازداد صاحبُه في الاهتياج واللَّجاج والتَّمادي في الطمع والحرص على الطَّلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغمّ والقلق٣، ويكون احتراقُ الدَّم عند ذلك باستحالته إلى السوداء، والتهاب الصَّفراء، وانقلابها إليها. ومن غلبَتْهُ السَّوداء يحصُلُ له فساد الفكر، ومع فساد الفكر يكون زوالُ العقل، ورجاءُ ما لا يكون، وتمنِّي ما لا يتمّ، حتى يؤدِّيَ ذلك إلى

  1. (١) هذا الباب كله مأخوذ من «الواضح المبين» (ص ٤٠ - ٥٠).
  2. (٢) هو فيثاغورس، كما في «ذم الهوى» (ص ٢٨٩).
  3. (٣) ت: «المقلق».
210

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي