الجنون، فحينئذٍ ربَّما قتل العاشقُ نفسه، وربَّما مات غمًّا، وربَّما نظرَ إلى معشوقه، فمات فرحًا، وربما شَهِقَ شَهْقَةً فتختنق رُوحُه، فيبقى أربعًا وعشرين ساعةً فيُظَنُّ: أنَّه قد ماتَ، فيدفن وهو حيّ، وربَّما تنفَّس الصُّعداء، فتختنق نفسُه في تَامُور قلبه، وينضمُّ عليها القلبُ، ولا ينفرج حتى يموت، وتراه إذا ذُكر له مَنْ يهواه؛ هرب دمُه، واستحال لونُه. وقال أفلاطون: العِشْق حركةُ النَّفس الفارغة. وقال أرسطاطاليس: العِشْقُ عمى الحِسِّ عن إدراك عيوب المحبوب.
ومن هذا أخذ جرير قوله١:
فلست براءٍ عيبَ ذي الودِّ كلَّهولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضيا
فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كَليلَةٌولكنَّ عينَ السُّخط تُبْدِي المَساويا
وقال أرسطو: العشقُ جهلٌ عارضٌ، صادفَ قلبًا فارغًا لا شُغْل له من تجارةٍ وصناعةٍ.
وقال بعضُهم٢: لم أرَ حقًّا أشبه بباطلٍ، ولا باطلًا أشبَهَ بحقٍّ من العِشْق، هزلُه جِدٌّ، وجِدُّه هزلٌ، وَأَوَّلُه لَعِبٌ، وآخرُه عَطَبٌ.
وقال الجاحظ٣: العِشْقُ اسمٌ لما فَضَل عن المحبَّة، كما أنَّ السَّرَف اسم لما جاوزَ الجود، والبُخلَ اسمٌ لِمَا جاوزَ الاقتصاد، فكلُّ عشقٍ يُسمَّى حبًّا، وليس كل حبٍّ يُسمَّى عِشْقًا، والمحبةُ جنسٌ، والعشقُ نوعٌ منها. ألا ترى أنَّ كلَّ محبَّةٍ شوقٌ، وليس كلُّ شوق محبةً؟
وقالت فرقةٌ أُخرى: العِشْقُ هو الاستهيام، والتضرُّع، واللَّوَذَانُ بالمعشوق. والوَجْدُ هو الحب الساكن. والهوى أن يهوى الشَّيء فيتبعه، غيًّا كان أو رشدًا، والحُبُّ حرفٌ ينتظم هذه الثلاثة. وقال المأمون ليحيى ابن أكثم٤: ما العشقُ؟ فقال: سوانحُ تسنح للمرء، فيهيم بها قلبُه وتؤثرُها