وقيل لآخر١: ما تقولُ في العشق؟ فقال: إن لم يكن طرفًا من الجنون؛ فهو نوعٌ من السِّحر.
وأما الفلاسفةُ المشَّاؤون فقالوا: هو اتِّفاق أخلاقٍ، وتشاكل محَبَّاتٍ وتجانُسُها، وشوقُ كُلِّ نفس إلى مُشاكِلِها ومُجانِسها في الخلْقَة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد.
قلت: وهذا مبنيٌّ على قولهم الفاسد بتقدُّم النفوس على الأبدان، وعليه بنَى ابنُ سينا قصيدته المشهورة٢:
هَبَطَتْ إليكَ من المَحلِّ الأرفَعِ
وسمعتُ شيخنا يحكي عن بعض فُضلاء المغاربة، وهو جمالُ الدِّين بنُ الشرِيشيِّ شارحُ المقامات: أنَّه كان ينكر أن تكون هذه له، قال: وهي مُخالِفةٌ لما قرَّره في كتبه من أنَّ حدوثَ النفس الناطقة مع البدن.
وقال آخرون في وصفه: دَقَّ عن الأفهام مسْلَكُه، وخَفِيَ عن الأبصار [٥٤ أ] موضعُه، وحارت العقولُ في كيفية تمكُّنه، غير أنَّ ابتداء
(١) انظر: «ذم الهوى» (ص ٢٩٢).
(٢) عجزه: ورقاء ذات تعزُّزٍ وتمنُّعِ وقصيدته هذه في «معجم الأدباء» (٣/ ١٠٧٦)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ١٦٠، ١٦١)، و«عيون الأنباء» (٣/ ١٥، ١٦)، و«جلاء العينين» (ص ١٧٢ - ١٧٣).
حركته، وعظم سلطانه من القلب، ثم يتغشَّى على سائر الأعضاء، فيُبْدي الرِّعدةَ في الأطراف، والصُّفْرةَ في الوجه١، والضَّعفَ في الرأْي، واللَّجْلَجَةَ في الكلام، والزَّللَ والعِثار، حتى يُنْسَب صاحبُه إلى الجنون.
وقيل لأبي زهير المديني٢: ما العشق؟ قال: الجنون والذلُّ، وهو داء أهل الظَّرْف.
ونظر عاشقٌ إلى معشوقه٣، فارتعدتْ فرائصُهُ، وغُشيَ عليه، فقيل لحكيم: ما الَّذي أصابَه؟ فقال: نظرَ إلى من يُحِبُّه، فانفرج له قلبُه، فتحرَّكَ الجسم بانفراج القلب.
فقيل له: نحن نحبُّ أولادنا، وأهلَنا، ولا يُصيبُنا ذلك، فقال: تلك محبَّةُ العقل، وهذه محبَّةُ الرُّوح، قال٤:
وما هو إلا أن يَراها فُجَاءَةًفتَصْطَكَّ رِجْلاهُ وَيسْقُطَ للجَنْب
وقال: العشقُ ملكٌ مُسلَّطٌ على قهر النفوس، وأسْرِ القُلوب، قال الشاعر:
ملك القلوبَ فأصبحتْ في أسرِهوبِودِّها ألَّا يُفَكَّ إِسارُها