حركته، وعظم سلطانه من القلب، ثم يتغشَّى على سائر الأعضاء، فيُبْدي الرِّعدةَ في الأطراف، والصُّفْرةَ في الوجه١، والضَّعفَ في الرأْي، واللَّجْلَجَةَ في الكلام، والزَّللَ والعِثار، حتى يُنْسَب صاحبُه إلى الجنون.
وقيل لأبي زهير المديني٢: ما العشق؟ قال: الجنون والذلُّ، وهو داء أهل الظَّرْف.
ونظر عاشقٌ إلى معشوقه٣، فارتعدتْ فرائصُهُ، وغُشيَ عليه، فقيل لحكيم: ما الَّذي أصابَه؟ فقال: نظرَ إلى من يُحِبُّه، فانفرج له قلبُه، فتحرَّكَ الجسم بانفراج القلب.
فقيل له: نحن نحبُّ أولادنا، وأهلَنا، ولا يُصيبُنا ذلك، فقال: تلك محبَّةُ العقل، وهذه محبَّةُ الرُّوح، قال٤:
وما هو إلا أن يَراها فُجَاءَةًفتَصْطَكَّ رِجْلاهُ وَيسْقُطَ للجَنْب
وقال: العشقُ ملكٌ مُسلَّطٌ على قهر النفوس، وأسْرِ القُلوب، قال الشاعر:
ملك القلوبَ فأصبحتْ في أسرِهوبِودِّها ألَّا يُفَكَّ إِسارُها
وقال أعرابي في وصفه: بالقلب وَثْبَتُه، وبالفؤاد وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه، وسائرُ الأعضاء خُدَّامُه، فالقلبُ من العاشق ذاهلٌ، والدمعُ منه هاملٌ، والجسمُ منه ناحلٌ. مرورُ الليالي تُجدِّده، وإساءة المحبوب لا تُفسده.
وقيل: ليس هو موقوفًا على الحُسْن والجمال، وإنما هو تشاكُلُ النُّفوس، وتمازُجها في الطِّباع المخلوقة فيها، كما قيل١:
وما الحبُّ مِنْ حُسْنٍ ولا من مَلاحةٍولكنَّه شيءٌ به الرُّوحُ تَكْلَفُ
وقيل: أوَّلُ العشق عَناء، وأوسطُه سُقْم، وآخرُه قتل. كما قال القائل٢:
هو الحبُّ فاسْلَمْ بالحشا ما الهوى سَهْلُفما اختارَه مُضْنًى به وله عَقْلُ