وقال أعرابي في وصفه: بالقلب وَثْبَتُه، وبالفؤاد وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه، وسائرُ الأعضاء خُدَّامُه، فالقلبُ من العاشق ذاهلٌ، والدمعُ منه هاملٌ، والجسمُ منه ناحلٌ. مرورُ الليالي تُجدِّده، وإساءة المحبوب لا تُفسده.
وقيل: ليس هو موقوفًا على الحُسْن والجمال، وإنما هو تشاكُلُ النُّفوس، وتمازُجها في الطِّباع المخلوقة فيها، كما قيل١:
وما الحبُّ مِنْ حُسْنٍ ولا من مَلاحةٍولكنَّه شيءٌ به الرُّوحُ تَكْلَفُ
وقيل: أوَّلُ العشق عَناء، وأوسطُه سُقْم، وآخرُه قتل. كما قال القائل٢:
هو الحبُّ فاسْلَمْ بالحشا ما الهوى سَهْلُفما اختارَه مُضْنًى به وله عَقْلُ
(١) البيت لمحمد بن داود الأصفهاني في «مصارع العشاق» (٢/ ٥٨)، و«ديوان الصبابة» (ص ٥٣). وبلا نسبة في «تزيين الأسواق» (١/ ٥٥). وسبق ذكره فيما مضى.
(٢) في هامش ت: ابن الفارض. والبيتان في «ديوانه» (ص ١٣٤).
الباب الحادي عشر
في العشق: هل هو اضطراريٌّ خارجٌ [٥٤ ب] عن الاختيار أو أمرٌ اختياريٌّ؟ واختلاف النَّاس في ذلك، وذكر الصَّواب فيه
فنقول: اختلف الناس في العشق: هل هو أمر اختياريٌّ أو اضطراريٌّ خارجٌ عن مقدور البشر؟
فقالت فرقة: هو اضطراريٌّ، وليس باختياريٍّ، قالوا: وهو بمنزلة محبَّة الظمآن للماء البارد، والجائع للطعام، وهذا ممَّا لا يُمْلَكُ.
وقال بعضهم: والله لو كان لي من الأمر شيءٌ ما عذَّبتُ عاشقًا! لأن ذنوبَ العُشَّاق اضطراريةٌ، فإذا كان هذا قولَه فيما تولَّد عن العِشْقِ مِنْ فعلٍ اختياريٍّ، فما الظنُّ بالعشق نفسه؟
وقال أبو محمد بنُ حزم: قال رجلٌ لعمر بن الخطاب ﵁: يا أميرَ المؤمنين! إني رأيت امرأةً فعَشِقْتُها! فقال عمر: ذاك ممَّا لا يُمْلك.
وقال كامل في سَلْمى١:
يلومُونني في حُبِّ سَلْمَى كأنَّمايَرَوْنَ الهَوى شيئًا تَيَمَّمْتُه عَمْدَا
(١) البيتان في «ديوان الصبابة» (ص ٥١). والصواب «كاهل» كما في الواضح المبين (ص ٣٠).