ورُئي أبو السَّائب المخزوميُّ١ - وكان من العلم والدِّين بمكان - متعلِّقًا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم ارحمِ العاشقينَ، وقوِّ قلوبَهم! واعطفْ عليهم قلوبَ المعشوقين! فقيل له في ذلك، فقال: والله للدُّعاءُ لهم أفضلُ من عُمرَةٍ من الجِعْرَانَة! ثم أنشد٢:
يا هَجْرُ كُفَّ عن الهوى ودعِ الهوَىللعاشقينَ يطيبُ يا هَجْرُ
ماذا تريدُ من الذين جُفونُهمقرْحى وَحَشْوُ قُلوبهم جَمْرُ؟!
(٢) الأبيات للعباس بن الأحنف في «ديوانه» (ص ١٤٦)، وأنشدها أبو السائب المخزومي في المصادر السابقة.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١١٦) من حديث ابن عباس. ولا يصح، انظر: «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ٢٠٧)، و«تنزيه الشريعة» (٢/ ٢٢٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاستقامة» (١/ ٢٩٦): هذا الحديث موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
قالوا: وقد فسَّر كثيرٌ من السَّلَف قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾[البقرة/٢٨٦] بالعشق. وهذا لم يُريدوا به التَّخصيص، وإنَّما أرادوا به التمثيلَ، وأنَّ العشق من تحميل ما لا يُطاق.
والمراد بالتَّحميل ها هنا التحميلُ القدَريُّ، لا الشَّرعيُّ الأمريُّ.
قالوا: وقد رأينا جماعةً من العُشَّاق يطوفون على مَنْ يدعو لهم أن يُعافِيَهم الله من العِشْق، ولو كان اختيارًا؛ لأزالوه عن نفوسهم.
ومن ها هنا يتبيَّن خطأ كثيرٍ من العاذلين، وعَذْلُهم في هذه الحال بمنزلة عَذْلِ المريض في مرضه، قال١:
يا عاذلي والأمرُ في يَدِههَلَّا عَذَلْتَ وفي يَدِي الأمرُ
وإنَّما ينبغي هذا العذلُ قبلَ تعلُّق هذا الدَّاء بالقلب، كما قيل٢: