روضة المحبين

وفصل النِّزاع بين الفرقتين: أنَّ مبادئ العشق وأسبابَهُ اختياريةٌ داخلةٌ تحت التكليف، فإنَّ النظرَ والتفكُّر والتعرُّض للمحبَّة أمرٌ اختياريٌّ، فإذا أتى بالأسباب كان تَرَتُّبُ المُسبَّبِ عليها بغير اختياره، كما قيل١:

تَوَلَّعَ بالعِشْق حتى عَشِقْفلما استقلَّ بهِ لَمْ يُطِقْ
رأى لُجَّةً ظنَّها مَوْجَةًفلمَّا تمكَّن منها غَرِقْ
ولما رأى أدْمُعًا تَسْتَهلّوأبصر أحشاءه تحترقْ٢
تمنَّى الإقالةَ مِنْ ذنبهفلم يستطعْها ولم يسْتفقْ

وهذا بمنزلة السُّكر مع شُرْب الخمر، فإنَّ تناوُلَ المُسكر اختياريٌّ، وما يتولَّد عنه من السُّكر اضطراريٌّ، فمتى كان السببُ واقعًا باختياره لم يكن معذورًا فيما تولَّد عنه بغير اختياره، فمتى كان السببُ محظورًا لم يكن السَّكرانُ معذورًا.

ولا ريبَ أنَّ متابعة النظر، واستدامةَ الفكر بمنزلة شُرب المُسكر، فهو يُلام على السَّبب، ولهذا إذا حصلَ العِشْقُ بسببٍ غير محظورٍ؛ لم يُلَمْ عليه صاحبُه، كمن كان [٥٦ ب] يعشقُ امرأتَه، أو جاريته، ثم فارقها، وبقي عشقُها غير مفارقٍ له، فهذا لا يُلام على ذلك، كما تقدَّم في قصَّة بَرِيرَة ومُغِيث.

  1. (١) الأبيات بلا نسبة في «ذم الهوى» (ص ٥٨٦)، و«ديوان الصبابة» (ص ٥٤).
  2. (٢) هذا البيت لم يرد في النسختين، والزيادة من «ذم الهوى» ليستقيم المعنى.
225

وكذلك إذا نظر نظرة فجَاءَةٍ، ثم صرفَ بصرَه، وقد تمكَّن العِشْقُ من قلبه بغير اختياره، على أنَّ عليه مُدافعتَه، وصرفَه عن قلبه بضدِّه، فإذا جاءَ أمرٌ يَغْلِبُه؛ فهناك لا يُلام بعد بذل الجهد في دفعه. ومِمَّا يُبيِّنُ ما قلناه: أنَّ سكرَ العشق أعظمُ من سُكر الخمر، كما قال تعالى عن عُشَّاق الصُّور من قوم لوطٍ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر/٧٢].

وإذا كان أدنى السُّكرَين لا يُعْذَر صاحبُه إذا تعاطَى أسبابَه؛ فكيف يُعْذر صاحبُ السُّكر الأقوى مع تعاطِي أسبابه؟ وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع؛ فلنذكرْ بابًا في سَكْرةِ الحُبِّ وسببها.

226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي