فإنَّ النفس تُضطرُّ إلى العلم تارةً، وإلى العمل أُخرى، وكذلك العملُ الاختياريُّ المراديُّ له مُرادٌ، فذلك المرادُ إمَّا أن يُراد لنفسه، أو لشيءٍ آخر، ولا يجوزُ أن يكون كلُّ مرادٍ مرادًا لغيره؛ حذرًا من الدَّور والتَّسلسل، فلابدَّ من مرادٍ مطلوبٍ محبوبٍ لنفسه، فإذا حصل المطلوبُ المرادُ المحبوب؛ فاقترانُ اللذَّة، والنِّعمة، [٥٩ أ] والفرح، والسُّرور، وقُرَّة العين به على قدر قوَّة محبته، وإرادته ورغبته فيه، وذلك أمرٌ ذَوْقِيٌّ وجديٌّ، ولهذا يغلِب على أهل الإرادة والعمل من السَّالكين اسمُ الذوق والوَجد؛ لما في وجود المراد المطلوب من الذَّوق والوجد الموجب للفرح، والسُّرور، والنَّعيم.
والله سبحانه إنما خلق الخلق لدار القرار، وجعل اللذة كلَّها بأسرها فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾[الزخرف/ ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾[السجدة/ ١٧]، وقال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أَعْدَدْتُ لعِبَادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا