روضة المحبين

إن نظر إليها؛ سرَّته، وإن غاب عنها، حفظته في نفسها وماله»١، والله المستعان.

وقال القاسم بن عبد الرحمن٢: كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقرأُ القرآن، فإذا فرغ قال: أين العُزّاب؟ فيقول: ادنوا مني، قولوا: اللهم ارزقني امرأةً إذا نظرتُ إليها سرتني، وإذا أمرتُها أطاعتني، وإذا غِبْت عنها حفظت غيبتي في نفسها ومالي.

والألمُ، والحزنُ، والهمُّ، والغمُّ ينشأُ من عدم العلم بالمحبوب النَّافع، أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به، أو من عدم إدراكه والظَّفر به مع محبته، وإرادته، وهذا من أعظم الألم.

ولهذا يكون ألمُ الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدُّنيا من ثلاثة أوجه:

أحدُها: معرفتُه هناك بكمال ما فاته، ومقداره.

الثاني: شدَّةُ حاجته إليه، وشوقُ نفسه إليه، مع أنَّه قد حيل بينه وبينه، كما قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ/ ٥٤].

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٥)، والترمذي (١٨٥٦)، وابن ماجه (٣٠٩٤) من حديث ثوبان. وقال الترمذي: حديث حسن.
  2. (٢) أخرجه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ٩٩)، وأبو الشيخ في «العظمة» (رقم ٥٧٦).
238

الثالث: حصولُ ضدِّه المؤلم له.

فليتأمل العاقلُ هذا الموضع، وليُنْزِل نفسه منزلة من قد فاته أعظمُ محبوب، وأنفعُه، وهو أفقرُ شيءٍ، وأحوجُهُ إليه فواتًا لا يُرْجى تدارُكُه. وحصل على ضِدِّه، فيا لها من مصيبةٍ ما أوجعَها! وحالةٍ ما أفْظعها! فأين هذه الحال من حالة من يلتذُّ في الدُّنيا بكل ما يقصد به وجه الله ﷾ من الأكل، والشُّرب، واللِّباس، [٦٠ ب] والنكاح، وشفاء الغيظ بقهر العدو، وجهادٍ في سبيله؟! فضلًا عمَّا يلتذُّ به من معرفة ربه، وحبِّه له، وتوحيده، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والإقبال عليه، وإخلاص العمل له، والرِّضا به، وعنه، والتفويض إليه، وفرح القلب وسروره بقربه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، كما في الحديث الذي صحَّحه ابن حِبَّان، والحاكم: «وأسألُك لذَّة النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشوق إلى لِقَائِكَ»١.

وهذه اللذَّةُ لا تزال في الدُّنيا في زيادةٍ مع تنغيصها بالعدوِّ الباطن من الشيطان، والهوى، والنَّفس، والدُّنيا، والعدوِّ الظاهر، فكيف إذا تجرَّدت الروح، وفارقت دار الأحزان والآفات، واتَّصلت بالرفيق الأعلى ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء/ ٦٩ ــ ٧٠].

  1. (١) سبق تخريجه من حديث عمار. وهو في «صحيح ابن حبان» (١٩٧١)، و«المستدرك» (١/ ٥٢٤).
239

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي