روضة المحبين

فإذا أفضى إلى دار النَّعيم؛ فهناك من أنواع اللَّذة، والبهجة، والسُّرور ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فبؤْسًا، وتعسًا للنفوس الوضيعة الدنيئة؛ التي لا يَهُزُّها الشوقُ إلى ذلك طربًا، ولا تَتَّقِدُ نارُ إرادتها لذلك رغبًا، ولا تبعد عمَّا يَصُدُّ عن ذلك رهبًا، فبصائرُها كما قيل١:

خفافيشُ أعشاها النَّهارُ بضوئهولاءَمَها قِطْعٌ من اللَّيل مظلمُ

تجول حول الحُشِّ؛ إذا جالت النفوس العلويَّةُ حول العرش، وتندسُّ في الأحجار؛ إذا طارت النُّفوس الزكيَّة إلى أعلى الأوكار.

فلم تَرَ أمثال الرِّجالِ تَفاوَتُواإلى الفَضْلِ حتَّى عُدَّ أَلفٌ بواحدِ٢

فصل

وكلُّ لذَّةٍ أعقبت ألمًا، أو منعت لذَّةً أكمل منها؛ فليست بلذَّةٍ في الحقيقة، وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها، فأيُّ لذَّة لآكل طعامٍ شهيٍّ مسمومٍ يُقَطِّع أمعاءَه عن قريب؟

وهذه هي لذَّات الكُفَّار والفُسَّاق بعلوِّهم في الأرض، وفسادهم،

  1. (١) البيت لابن الرومي في «ديوانه» (ص ٩٢)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٣٧٤) وقافيته «غَيْهبُ».
  2. (٢) البيت للبحتري في «ديوانه» (١/ ٦٢٥)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٤٣٥)، و«زهر الآداب» (١/ ٢٧٥). وفي النسختين: «ألف ألف بواحد».
240

وفرحهم فيها بغير الحق، ومرحهم، وذلك مثل لذَّة الذين اتَّخذوا من دون [٦١ أ] الله أولياء يُحِبُّونهم كحبِّ الله، فنالوا بهم مودّةَ بَيْنِهمْ في الحياة الدُّنيا، ثم استحالت تلك اللذَّة أعظمَ ألمٍ وأمرَّه.

ومن ذلك لذَّةُ العقائد الفاسدة، والفرحُ بها، ولذَّةُ غلبة أهل الجور، والظلم، والعدوان، والزِّنى، والسرقة، وشرب المسكرات؛ وقد أخبر الله ــ ﷾ ــ: أنَّه لم يُمكِّنهم من ذلك لخيرٍ يريده بهم، إنَّما هو استدراج منه ليُنِيلَهم به أعظم الألم، قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون/ ٥٥ ــ ٥٦] وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة/ ٥٥].

فصل

وأمَّا اللذَّة التي لا تُعقب ألمًا في دار القرار، ولا تُوصل إلى لذَّةٍ هناك؛ فهي لذَّةٌ باطلةٌ؛ إذ لا منفعة فيها ولا مضرَّة، وزمنُها يسيرٌ، ليس لتمتُّع النفس بها قدر، وهي لابد أن تشغل عما هو خيرٌ وأنفعُ منها في العاجلة والآجلة؛ وإن لم تشغل عن أصل اللذَّة في الآخرة، وهذا القسم هو الذي عناه النبيُّ ﷺ بقوله: «كلُّ لهْوٍ يِلْهُو به الرَّجُل فهو باطِلٌ إلا رَمْيَهُ بقوسهِ، وتَأْدِيبَهُ فرَسَهُ، ومُلاعبَتَهُ أهْلَهُ؛ فإنَّهُنَّ من الحَقِّ» رواه مسلم١.

  1. (١) الذي أخرجه مسلم (١٩١٨) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: «ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه». والحديث الذي ذكره المؤلف أخرجه أحمد (٤/ ١٤٤)، وأبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي (٦/ ٢٨، ٢٢٢ - ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٨١١) من حديث عقبة بن عامر، وهو حديث صحيح.
241

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي