على النبي ﷺ وعنده جَوارٍ يَضربْنَ بالدُّفِّ، فأسكتهنَّ لدخوله، وقال: «هذا رجُلٌ لا يُحِبُّ الْباطِل»١ فأخبر: أنَّ ذلك باطل، ولم يمنعهنَّ منه؛ لما يترتب لهن عليه من المصلحة الراجحة، ويترُكنَ به مفسدةً أرجح من مفسدته، وأيضًا: فيحصلُ لهم من التَّأَلُّمِ بتركه مفسدةٌ هي أعظم من مفسدته، فتمكينُهم من ذلك من باب الرَّحمة، والشَّفقة، والإحسان، كما مكَّن النَّبيُّ ﷺ أبا عُمَيرٍ من اللعب بالعصفور بحضرته٢، ومكَّنَ الجاريتين من الغناء بحضرته٣، ومكَّن عائشة ﵂ من النظر إلى الحَبَشة وهم يلعبون في المسجد٤، ومكَّن تلك المرأة أن تضربَ على رأْسه بالدُّف٥، ونظائر ذلك.
فأين هذا من اتِّخاذ الشيوخ المشار إليهم المُقْتَدى بهم ذلك دينًا،
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٥) من حديث الأسود بن سريع، وليس فيه قصة ضرب الجواري بالدف. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. ولكن أصل الحديث صحيح كما سيأتي.
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٦١٢٩، ٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠) عن أنس.
(٣) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٩٤٩)، ومسلم (٨٩٢) عن عائشة.
(٤) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٨٩٢) عن عائشة.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣١٢)، والبيهقي (١٠/ ٧٧) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وله شاهد من حديث بريدة، أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٦)، والترمذي (٣٦٩١)، والبيهقي (١٠/ ٧٧).
وطريقًا مع التوسُّع فيه غاية التوسُّع بما لا ريبَ في تحريمه؟
ونظيرُ هذا إعطاء النَّبيِّ ﷺ المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة؛ لضعف قلوبهم عن قلوب الرَّاسخين في الإيمان من أصحابه، ولهذا أعطى هؤلاء، ومنع هؤلاء، وقال: أكِلُهُم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغَنَاءِ والخير.
ونظير هذا: مزاحُه ﷺ مع من كان يمزح معه من الأعراب، والصبيان، والنساء؛ تطييبًا لقلوبهم، واستجلابًا لإيمانهم، وتفريحًا لهم. وفي مراسيل الشَّعبيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ على أصحاب الدِّرَكْلَة فقال: «خذوا يا بني أرفدة حتَّى تعلمَ الْيَهُودُ والنَّصَارى [٦٢ أ] أنَّ في دِيننا فُسْحةً». ذكره أبو عُبيد١، وقال: الدِّركلة: لعبة العجم.
فالنَّبيُّ ﷺ يبذُل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألَّفُها به على الحقِّ المأْمور به، ويكون المبذول ممَّا يلتذُّ به الآخذ، ويحبُّه، لأنَّ ذلك وسيلةٌ إلى غيره، ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه، كالمهاجرين، والأنصار، بل يبذلُ لهم أنواعًا أُخر من الإحسان إليهم، والمنافع في دينهم ودنياهم.
ولمَّا كان عمر بن الخطاب ﵁ ممَّن لا يحبُّ هذا الباطل ولا سماعه، ولا يحتاج أن يُتَأَلَّف بما يُتألف به غيرُه، وليس مأْمورًا بما
(١) في «غريب الحديث» (١/ ٣٢٧). وأخرجه أحمد (٦/ ١١٦، ٢٣٣) من حديث عائشة، والفقرة الأولى منه عند البخاري (٩٥٠)، ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة.