تشكَّى المحبُّون الصَّبابَةَ ليتنيتحمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ منْ بينهم وَحدِي
فكانتْ لقلبي لذَّةُ الحبِّ كلُّهافلم يَلْقَها قبلي مُحِبٌّ ولا بَعدِي
قالت رابعة٢: شَغلُوا قلوبهم بحبِّ الدُّنيا عن الله، ولو تركوها؛ لجالت في الملكوت، ثمَّ رجعت إليهم بطرائف الفوائد.
وقال سَلْم الخوّاص٣: تركتموه، وأقبل بعضُكم على بعض، ولو أقبلتم عليه؛ لرأيتُم العجائب.
وقالت امرأةٌ من العابدات٤: لو طالعتْ قلوب المؤمنين بفكرها ما ذُخر لها من حُجُب الغيوب من خير الآخرة؛ لم يصف لها في الدُّنيا عيش، ولم تقرَّ لها عين في الدنيا.
وقال بعضُ المحبِّين٥: إنَّ حُبَّه ﷿ شغل قلوب مُحبِّيه عن التلذُّذِ بمحبَّة غيره، فليس لهم في الدُّنيا مع حُبِّه ﷿ لذَّةٌ تُداني محبَّتَه، ولا يؤمِّلون في الآخرة من كرامة الثواب أكبرَ عندهم من النَّظر إلى وَجه محبوبهم.
(١) تقدم البيت الأول في (ص ٤٠)، وانظر التخريج هناك.
(٢) أخرج عنها الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص ٤٩)، وابن الجوزي (ص ٦٥).
(٣) أخرج عنه الخرائطي (ص ٤٩)، وابن الجوزي (ص ٧٨).
(٤) أخرج عنها الخرائطي (ص ٥٠)، وابن الجوزي (ص ٦٦).
(٥) هو ضيغم، كما أخرج عنه الخرائطي (ص ٥١)، وابن الجوزي (ص ٧٨).
وقال بعض السَّلف١: ما مِنْ عبدٍ إلا وله عينان في وجهه يُبصر بهما أمرَ الدُّنيا، وعينان في قلبه يُبصر بهما أمرَ الآخرة، فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا؛ فتح عينيه اللَّتينِ في قلبه، فأبصرَ بهما من اللذَّةِ والنعيم ما لا خطر له، مِمَّا وعَدَ به من لا أصدق منه حديثًا، وإذا أراد به غير ذلك؛ تركه على ما هو عليه، ثمَّ قرأ: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد/ ٢٤] ولو لم يكن للقلب [٦٣ ب] المشتغل بمحبَّة غير الله، المعرِضِ عن ذكره من العقوبة؛ إلا صدؤهُ، وقسوته، وتعطُّله عمَّا خُلِق له؛ لكفى بذلك عقوبة.
وقد روى عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذه القُلُوب تصْدَأُ كما يصدَأُ الحديد» قيل: يا رسُول الله! فما جلاؤُها؟ قال: «تِلاوَةُ القُرْآنِ»٢.
وقال بعضُ العارفين٣: إنَّ الحديد إذا لم يُستعمل غَشِيَه الصدَأُ حتى يفسده، كذلك القلب إذا عُطِّل من حبِّ الله، والشوق إليه، وذكره؛
(١) هو خالد بن معدان، أخرج عنه الخرائطي (ص ٥٢ - ٥٣)، وابن الجوزي (ص ٧٥ - ٧٦).
(٢) أخرجه الخرائطي (ص ٥٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ١٩٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب (٢/ ١٩٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٨٥)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٦٨) من طريق عبد الرحيم بن هارون عن عبد العزيز به. وعبدالرحيم ضعيف، كذّبه الدارقطني.