تَشَكَّى المحبُّون الصَّبابةَ ليتنيتحمَّلتُ ما يَلْقَوْن مِنْ بينهم وَحدي
فكانتْ لقلبي لذَّةُ الحبِّ كلُّهافلم يَلْقَها قبلي مُحِبٌّ ولا بَعدي
قالوا: والعشقُ المباحُ مما يُؤجر عليه العُشّاقُ، كما قال شريك بن عبد الله٢ - وقد سُئل عن العُشّاق - فقال: أشدُّهم حُبًّا أعظمُهم أجرًا. وصدق والله إذا كان المعشوق ممَّنْ يُحِبُّ الله للعاشق قربَه ووصلَه، وقالت امرأة٣:
لن يقبل اللهُ من معشوقةٍ عملًايومًا وعاشقُها لَهْفَانُ مَهْجُورُ
ليستْ بمأْجورةٍ في قتلِ عاشقِهالكنَّ عاشِقَها في ذاك مأْجورُ
ونحن نقول: متى باتت مهاجرةً لفراش عاشقها الذي هو بعلُها؛ لعنتها الملائكة حتى تُصْبِحَ.
قالوا٤: والعشقُ يُصفِّي الهمَّ، ويهذّب العقل، ويبعثُ على حسن
(١) البيتان لمجنون ليلى في «ديوانه» (ص ١١٦). وبلا نسبة في «الحماسة» (٢/ ٣٠)، و«شرح المضنون به على غير أهله» (ص ٢٤١).
(٢) كما في «الواضح المبين» (ص ٢٢) نقلًا عن الجاحظ.
(٣) البيتان في «الموشى» (ص ١٦٢)، و«مصارع العشاق» (٢/ ١٧٧، ٢١٧)، و«الواضح المبين» (ص ٢٢). ويأتي ذكرهما مع خبر عند المؤلف فيما بعد.
(٤) من هنا إلى (ص ٢٦٥) مختصر من «الواضح المبين» (ص ٦٠ - ٦٥).
اللباس، وطيب المطعم، ومكارم الأخلاق، ويُعلي الهمَّة، ويحملُ على طيب الرائحة، وكرم العشرة، وحفظ الأدب والمُروءة، وهو بلاءُ الصَّالحين، ومحنة العابدين، وهو ميزان العقول، وجلاء الأذهان، وهو خُلُق الكرام، كما قيل١:
وما أحببتُها فُحْشًا ولكنرأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكِرام
قالوا: وأرواحُ العُشَّاقِ عَطِرَةٌ لطيفة، وأبدانهم رقيقةٌ ضعيفة، وأرواحُهم بطيئةُ الانقياد لمن قادَها، حاشا سكنَها الذي سكنت إليه، وعقدت حبَّها عليه، وكلامُهم، ومنادمتهم تزيد في العقول، وتُحرِّكُ النفوسَ، وتُطيّب الأرواح، وتلهو بأخبارهم أُولو الألباب.
فأحاديثُ العُشّاقِ زينة مجالسهم، ورُوح محادثتهم، ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يُذْكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشقُ، ويشتهر بالعِشْق، فيُذْكَر في مجالس الملوك والخلفاء ومَنْ دونَهم، وتدوَّن أخبارُه، وتُرْوى أشعارُه، ويُبقي له العشقُ ذكرًا مخلَّدًا، ولولا العشقُ لم يُذكر له اسمٌ، ولم يَرْفَعْ به رأسا.
وقال بعض العقلاء: العشقُ للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركتَه ضرّك، وإن أكثرتَ منه قتلك.
(١) بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص ٦١). ولأبي إسحاق الشيرازي في «الروض المعطار» (ص ٤٤٤).