روضة المحبين

اللباس، وطيب المطعم، ومكارم الأخلاق، ويُعلي الهمَّة، ويحملُ على طيب الرائحة، وكرم العشرة، وحفظ الأدب والمُروءة، وهو بلاءُ الصَّالحين، ومحنة العابدين، وهو ميزان العقول، وجلاء الأذهان، وهو خُلُق الكرام، كما قيل١:

وما أحببتُها فُحْشًا ولكنرأيتُ الحُبَّ أخلاقَ الكِرام

قالوا: وأرواحُ العُشَّاقِ عَطِرَةٌ لطيفة، وأبدانهم رقيقةٌ ضعيفة، وأرواحُهم بطيئةُ الانقياد لمن قادَها، حاشا سكنَها الذي سكنت إليه، وعقدت حبَّها عليه، وكلامُهم، ومنادمتهم تزيد في العقول، وتُحرِّكُ النفوسَ، وتُطيّب الأرواح، وتلهو بأخبارهم أُولو الألباب.

فأحاديثُ العُشّاقِ زينة مجالسهم، ورُوح محادثتهم، ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يُذْكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشقُ، ويشتهر بالعِشْق، فيُذْكَر في مجالس الملوك والخلفاء ومَنْ دونَهم، وتدوَّن أخبارُه، وتُرْوى أشعارُه، ويُبقي له العشقُ ذكرًا مخلَّدًا، ولولا العشقُ لم يُذكر له اسمٌ، ولم يَرْفَعْ به رأسا.

وقال بعض العقلاء: العشقُ للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركتَه ضرّك، وإن أكثرتَ منه قتلك.

  1. (١) بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص ٦١). ولأبي إسحاق الشيرازي في «الروض المعطار» (ص ٤٤٤).
258

وقال [٦٦ أ] ابنُ عبد البَرّ في كتابه «بهجة المجالس»١: وُجد في صحيفةٍ لبعض أهل الهند: العشقُ ارتياحٌ جُعِل في الرُّوح، وهو معنًى تُنْتِجُه النجومُ في مطارح شُعاعِها، ويتولَّد في الطِّباع بوصلة أشكالها، وتَقْبَلُه الرُّوح بلطيف جوهرها، وهو بَعْدُ جلاءُ القلوب، وصيقلُ الأذهان ما لم يُفْرِط، فإذا أفرط صارَ شقاء قاتلًا، ومرضًا مُنْهِكًا، لا تنفُذُ فيه الآراء، ولا تَنْجَعُ فيه الْحِيل، والعلاجُ منه زيادةٌ فيه.

وقال أعرابيٌّ: هو أنس النفس، ومحادث العقل، تُجِنُّه الضَّمائر، وتخدمُه الجوارح.

وقال عبد الله بن طاهر أميرُ خُراسان لولده: اعشَقُوا تَظْرُفُوا، وعفُّوا تشرفوا.

وقال قُدامة: وصفه بعضُ البلغاء فقال: يشجِّع الجبان، ويسخِّي البخيل، ويُصَفِّي ذهن البليد، ويُفْصِح لسان العييّ، ويبعثُ حَزْم العاجز، ويذِلُّ له عزُّ الملوك، ويصرع له صَوْلَةُ الشجاع، وهو داعيةُ الأدب، وأوّلُ بابٍ تُفْتَق به الأذهانُ والفِطَن، وتستخرجُ به دقائق المكايد والحِيَل، وإليه تستروحُ الهمم، وتسكنُ نوافرُ الأخلاق والشِّيَم، يُمْتعُ جليسَه، ويؤنس أليفه، وله سرورٌ يجول في النفوس، وفرحٌ يسكُن في القلوب.

وقيل لبعض الرؤساء: إن ابنَك قد عشقَ، فقال: الحمد لله! الآن

  1. (١) (١/ ٨١٧).
259

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي