قال الله تعالى إخبارًا عن المؤمنين: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾[البقرة/٢٨٦] فأثنى عليهم سبحانه بهذا الدُّعاء؛ الذي سألوه فيه ألَاّ يحمِّلهم ما لا طاقة لهم به، وقد فُسِّر ذلك بالعشق، وليس المُرادُ اختصاصه به، بل المُراد: أنَّ العشق ممَّا لا طاقة للعبد به. وقال مكحول: هو شدة الغُلْمة.
وقال النَّبيُّ ﷺ: «لا ينبغي للمرءِ أنْ يُذِلّ نفسه»١.
قال الإمام أحمدُ: تفسيرُه أن يتعرَّض من البلاء لما لا يطيق، وهذا
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤٠٥)، والترمذي (٢٢٥٤)، وابن ماجه (٤٠١٦) من حديث حذيفة بن اليمان. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. انظر: «العلل» (٢/ ١٣٨). ولكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٣٥٠٧) و«الأوسط» (٥٣٥٣)، والبزار (٣٣٢٣). انظر: «السلسلة الصحيحة» (٦١٣).
مطابق لحال العاشق، فإنَّه أذَلُّ الناس لمعشوقه، ولما يُحَصِّل به رضاه، والحبُّ مبناه على الذُّلِّ، والخضوع للمحبوب، كما قيل١:
مساكينُ أهلُ العشقِ حتَّى قبورُهمعليها ترابُ الذُّلِّ بين المَقابر
وقال آخر٣:
قالوا عهدناك ذا عزٍّ فقلتُ لهملا يعجبُ الناسُ من ذلِّ المُحبِّينا
لا تُنكروا ذلَّة العُشّاقِ إنَّهمُمستعبَدون برِقِّ الحُبِّ راضُونا
قالوا: وإذا اقتحم العبدُ بحرَ العشْق، ولعبتْ به أمواجهُ، فهو إلى الهلاك أدنى منه إلى السَّلامة، كما ذكر الخرائطيُّ٤: أنَّه كان بالمدينة جاريةٌ ظريفةٌ، فهوِيَتْ رجلًا من قريشٍ، وكان لا يُفارقها، ولا تُفارقه، فملَّها، وزاد حبُّها له، فسقِمتْ، وجعل مولاها لا يَعْبَأُ بشكواها، ولا يَرِقُّ
(١) البيت لأبي تراب في «بدائع البدائه» (ص ١٧). وبلا نسبة في «ديوان الصبابة» (ص ٤٧).
(٢) البيت بلا نسبة في «مصارع العشاق» (١/ ١٣٠)، و«ديوان الصبابة» (ص ٤٧).
(٣) البيتان بلا نسبة في «اعتلال القلوب» (ص ٣٢٥).
(٤) في «اعتلال القلوب» (ص ٣٢٤). وانظر: «مصارع العشاق» (١/ ٥٣)، و«ذم الهوى» (ص ٣٣٤). والأبيات لجميل في «ديوانه» (ص ٨٣)، و«محاضرة الأبرار» (٢/ ٤٢٣)، وللعباس بن الأحنف في «ديوانه» (١٣٩)، و«الأغاني» (٥/ ٢١١)، وللمجنون في «الموشى» (ص ١٢٣).