روضة المحبين

لها، حتى هامتْ وسعتْ على وجهها، ومزَّقت ثيابها، وأفضتْ إلى أمرٍ عظيم. فلما رأى ما صارت إليه عالجَها فلم يَنْجَعْ فيها العلاج، وكانت تدورُ في السِّكَكِ بالليل، وتقول:

الحبُّ أوَّلُ ما يكونُ لَجاجةتأْتي به وتسوقُهُ الأقدارُ
حتَّى إذا اقتحم الفتى لُجَجَ الهوىجاءتْ أُمورٌ لا تُطاقُ كِبارُ
مَنْ ذا يُطيق كما أُطيق من الهوىغلبَ العزاءُ وباحتِ الأسرارُ

قال الخرائطي١: وأنشدني بعض أصحابنا:

الحبُّ أوَّلهُ شيءٌ يهيمُ بهقلبُ المحبِّ فيَلْقَى الموتَ كاللَّعِب
يكون مبدؤه منْ نظرةٍ عرَضَتْومَزْحَةٍ أَشْعَلَتْ في القَلْبِ كاللَّهَبِ
كالنَّارِ مبدؤها من قدْحةٍ فإذاتضرَّمتْ أحرقتْ مُسْتَجْمَعَ الحطَب

قالوا: وكيف يُمْدَح أمرٌ يمنع القرار، ويسلُب المنام، ويُوَلِّه العقل، ويُحْدِث الجنون، بل هو نفسه جنون، كما قال بعض الحكماء: الجنون فنون، والعشق فنٌّ من فنونه، كما قال بعضُ العُشَّاق٢:

  1. (١) «اعتلال القلوب» (ص ٣٢٤ - ٣٢٥). والأبيات في «الواضح المبين» (ص ٥٩)، و«تزيين الأسواق» (١/ ٥٧).
  2. (٢) البيتان بلا نسبة في «اعتلال القلوب» (ص ٣٢٦)، و«ذم الهوى» (ص ٣١٧)، وبهجة المجالس (١/ ٥٥٤). وللمجنون في «ديوانه» (ص ٢٨١)، و«مصارع العشاق» (١/ ١٢٦، ٢/ ١٨١)، و«ديوان الصبابة» (ص ٢٥)، «وتزيين الأسواق» (١/ ١٦٤). وقد تقدم البيتان في أول الكتاب.
273
قالت جُنِنْتَ على رأسي فقلتُ لهاالعشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدَّهر صاحبُهوإنَّما يُصْرَعُ المجنونُ في الحِيْن

قالوا: وكم من عاشقٍ أتلف في معشوقه مالَه، وعِرْضَه، ونفسَه، وضيَّع أهله، ومصالحَ دينه [٦٩ ب] ودنياه!

قال الزُّبَيْرُ بن بكَّار١: جاءت بدويةٌ إلى أُختٍ لها، فقالت: كيف بك من حبِّ فلان؟ قالت: حرَّكَ واللهِ حبُّه الساكن! وسكَّن المتحرِّك، ثم أنشأت تقول٢:

فلو أنَّ ما بي بالحَصَى فلقَ الْحَصىوبالرِّيح لم يُسْمَعْ لهنَّ هُبُوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ الله كلَّماذكرتُكَ لم تُكْتَبْ عليَّ ذنوبُ

فقلت: والله لأسألنَّه كيف هو مِنْ حُبِّكِ. فجاءته، فسألتُه، فقال: إنَّما الهوى هوانٌ، ولكنَّه خُولِفَ باسمه، وإنَّما يَعْرِفُ ذلك من اسْتَبْكَتْهُ المعالم والطُّلول.

  1. (١) أخرج عنه الخرائطي (ص ٣٢٦ - ٣٢٧)، وانظر ذم الهوى (ص ٣١٦).
  2. (٢) البيتان لابن الدمينة في «ديوانه» (ص ١١١)، و«الأشباه والنظائر» للخالديين (٢/ ١٤٠)، و«أمالي» الزجاجي (ص ١٥٧)، و«الحماسة البصرية» (٢/ ١٩٣). ولغصين بن براق أو ابن الدمينة في «المؤتلف» للآمدي (ص ٦٧، ٦٨)، وللمجنون في «ديوانه» (ص ٥٩)، و«الموشى» (ص ١٣٩).
274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي