قالت جُنِنْتَ على رأسي فقلتُ لهاالعشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدَّهر صاحبُهوإنَّما يُصْرَعُ المجنونُ في الحِيْن
قالوا: وكم من عاشقٍ أتلف في معشوقه مالَه، وعِرْضَه، ونفسَه، وضيَّع أهله، ومصالحَ دينه [٦٩ ب] ودنياه!
قال الزُّبَيْرُ بن بكَّار١: جاءت بدويةٌ إلى أُختٍ لها، فقالت: كيف بك من حبِّ فلان؟ قالت: حرَّكَ واللهِ حبُّه الساكن! وسكَّن المتحرِّك، ثم أنشأت تقول٢:
فلو أنَّ ما بي بالحَصَى فلقَ الْحَصىوبالرِّيح لم يُسْمَعْ لهنَّ هُبُوبُ
ولو أنَّني أستغفرُ الله كلَّماذكرتُكَ لم تُكْتَبْ عليَّ ذنوبُ
فقلت: والله لأسألنَّه كيف هو مِنْ حُبِّكِ. فجاءته، فسألتُه، فقال: إنَّما الهوى هوانٌ، ولكنَّه خُولِفَ باسمه، وإنَّما يَعْرِفُ ذلك من اسْتَبْكَتْهُ المعالم والطُّلول.
(٢) البيتان لابن الدمينة في «ديوانه» (ص ١١١)، و«الأشباه والنظائر» للخالديين (٢/ ١٤٠)، و«أمالي» الزجاجي (ص ١٥٧)، و«الحماسة البصرية» (٢/ ١٩٣). ولغصين بن براق أو ابن الدمينة في «المؤتلف» للآمدي (ص ٦٧، ٦٨)، وللمجنون في «ديوانه» (ص ٥٩)، و«الموشى» (ص ١٣٩).
وأنشدَ أبو الفضل الربعي١:
قَدْ أمطرَتْ عيني دمًا فدِماؤُهابعدَ الدُّموع من الجُفون هوامِلُ
كيف العزاءُ ولا يزالُ من الضَّنىفي الجسم مني والجوانح نازلُ
لَهْفي على زمنٍ مضى تجتازنيفيه صروفُ الدَّهرِ وهْي غوافل
قالوا٢: والعشق هو الدَّاء الدَّويُّ؛ الذي تذوب معه الأرواح، ولا يقع معه الارتياح، بل هو بحرٌ؛ مَنْ رَكبَه غَرِق، فإنه لا ساحلَ له، ولا نجاةَ منه، وهو الذي قال فيه القائل٣:
وما أحدٌ في النَّاس يُحْمَدُ أمرُهفيُوجَدُ إلا وهو في الحبِّ أحمقُ
وما أحدٌ ما ذاقَ بُؤْسَ معيشةٍفيَعْشَقُ إلا ذاقها حِيْنَ يعْشقُ
وقال العبّاس بن الأحنف٤:
ويحَ المُحبِّين ما أشقى نفوسَهُمُإنْ كان مثلُ الذي بي بالمحبّينا
(١) أخرجه الخرائطي (ص ٣٢٧).
(٢) كما في «الواضح المبين» (ص ٦٦) نقلًا عن «سلوة المسافر» للفخر الفارسي.
(٣) البيتان لعبد الله بن بهلول في «عقلاء المجانين» (ص ٢٧). ولامرأة من قيس في «الزهرة» (١/ ٦٣). وبلا نسبة في «الموشى» (ص ١٥٧) و«ذم الهوى» (ص ٣١٤) و«الواضح المبين» (ص ٦٦).