قالوا: وكم أكبَّتْ فتنةُ العِشْق رؤُوسًا على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرَّعتهم بين أطباق النَّار كؤوس الحميم، وكم أخرجت مَنْ شاء الله من العلم والدِّين، كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالتْ من نِعْمَةٍ، وأحلَّتْ منْ نقْمَة، وكم أنزلت من مَعْقِل عزّه عزيزًا، فإذا هو من الأذلِّين ذليلًا، ووضعتْ منْ شريفٍ رفيع القَدْرِ والمَنْصب، فإذا هو في أسفل السَّافلين، وكم كشفت منْ عورة، وأحدثت منْ رَوْعةٍ، وأعقبت منْ ألمٍ، وأحلَّت منْ ندمٍ، وكم أضرمت [٧١ ب] منْ نارِ حسراتٍ احترقت فيها الأكباد، وأذهبت قدْرًا كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت منْ جهْد البلاء، ودَرْك الشَّقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فقلَّ أن يُفارقها زوالُ نعمةٍ، أو فجاءةُ نقمةٍ، أو تحويلُ عافيةٍ، أو طُروقُ بليَّةٍ، أو حدوث رَزِيَّة، فلو سألت النِّعَمَ: ما الذي أزالك؟ والنِّقَمَ: ما الذي أدالكِ؟ والهمومَ والأحزان: ما الذي جلبك؟ والعافية: ما الذي أبعدك، وجَنَّبَك؟ والسِّتْر: ما الذي
كشفك؟ والشمس: ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة: ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان: ما الذي كوَّرك؟ وعزَّة النفس: ما الذي أذلَّك، وبالهوان بعد الإكرام بدَّلك؟ لأجابَتْك بلسان الحال اعتبارًا، إن لم تُجبْ بالمقال حوارًا.
هذا والله بعضُ جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
[النمل/٥٢] ويكفي اللبيبَ موعظة واستبصارًا ما قصَّه الله ﷾ عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرًا واعتبارًا، فبدأ ﷾ بهوى إبليس الحاملِ له على التكَبُّر عن طاعة الله ﷿ في أمره بالسجود لآدم، فحمله هوى نفسه، وإعجابُه بها على أنْ عصى أمره، وتكبَّر على طاعته، فكان من أمره ما كان، ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغبَ في الخلود في الجنَّة، وحملَهُ هواه على أنْ أكل من الشَّجرة التي نُهي عنها، وكان الحاملُ له على ذلك هوى النفس ومحبَّتها للخلود، فكان عاقبةُ ذلك الهوى والشَّهوة إخراجه منها إلى دار التَّعب والنَّصَب.
وقيل: إنه إنما أكل منها طاعة لحوَّاء، فحمله حبُّه لها أن أطاعها، ودخل في هواها، وإنما توصَّل إليه عدوُّه من طريقها؟ ودخل عليه من بابها. فأوَّل فتنةٍ كانت في هذا العالم بسبب النساء.
ثم ذكر سبحانه فتنة الكفَّار؛ الذين أشركوا به [٧٢ أ] ما لم ينزِّل به سلطانًا، وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه، وحرَّموا زينته التي أخرج لعباده