كشفك؟ والشمس: ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة: ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان: ما الذي كوَّرك؟ وعزَّة النفس: ما الذي أذلَّك، وبالهوان بعد الإكرام بدَّلك؟ لأجابَتْك بلسان الحال اعتبارًا، إن لم تُجبْ بالمقال حوارًا.
هذا والله بعضُ جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[النمل/٥٢] ويكفي اللبيبَ موعظة واستبصارًا ما قصَّه الله ﷾ عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرًا واعتبارًا، فبدأ ﷾ بهوى إبليس الحاملِ له على التكَبُّر عن طاعة الله ﷿ في أمره بالسجود لآدم، فحمله هوى نفسه، وإعجابُه بها على أنْ عصى أمره، وتكبَّر على طاعته، فكان من أمره ما كان، ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغبَ في الخلود في الجنَّة، وحملَهُ هواه على أنْ أكل من الشَّجرة التي نُهي عنها، وكان الحاملُ له على ذلك هوى النفس ومحبَّتها للخلود، فكان عاقبةُ ذلك الهوى والشَّهوة إخراجه منها إلى دار التَّعب والنَّصَب.
وقيل: إنه إنما أكل منها طاعة لحوَّاء، فحمله حبُّه لها أن أطاعها، ودخل في هواها، وإنما توصَّل إليه عدوُّه من طريقها؟ ودخل عليه من بابها. فأوَّل فتنةٍ كانت في هذا العالم بسبب النساء.
ثم ذكر سبحانه فتنة الكفَّار؛ الذين أشركوا به [٧٢ أ] ما لم ينزِّل به سلطانًا، وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه، وحرَّموا زينته التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق، وتعبَّدوا له بالفواحش وزعموا أنَّه أمرهم بها؛ واتخذوا الشياطين أولياء من دونه، والحاملُ لهم على ذلك كلِّه الهوى والحبُّ الفاسد، وعليه حاربوا رسله، وكذَّبوا كتُبَه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم دونه، حتى خسروا الدُّنيا والآخرة.
ثم ذكر ﷾ قصة قوم نوح، وما أصارهم إليه الهوى من الغرق في الدُّنيا، ودخول النَّار في الآخرة.
ثم ذكر قصَّة عادٍ، وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع، والعقوبة المستمرة.
ثم قصَّة قوم صالح كذلك، ثم قصة العُشَّاق، أئمة الفُسَّاق، وناكحي الذكران، وتاركي النِّسوان، وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون، وقطع دابرهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون، وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أُمَّةٍ من الأمم أجمعين، وجعلهم سلفًا لإخوانهم اللُّوطيَّة من المُتقدِّمين والمتأخِّرين، ولما تجرؤوا على هذه المعصية، وتمرَّدوا، ونهجوا لإخوانهم طريقها، وقاموا بأمرها، وقعدوا؛ ضجَّت الملائكةُ إلى الله من ذلك ضجيجًا، وعجَّت الأرض إلى ربِّها من هذا الأمر عجيجًا، وهربت الملائكة إلى أقطار السموات، وشكتهم إلى الله جميعُ المخلوقات، وهو ﷾ قد حكم أنه لا يأْخذُ الظالمين إلا بعد إقامة الحُجَّة عليهم، والتقدُّم بالوعد والوعيد إليهم، فأرسل إليهم رسوله الكريم يحذرهم من سوء صنيعهم، وينذرهم عذابه