الله، كما في الحديث الصحيح١: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ بِهِنَّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسُولُهُ أحبَّ إليهِ ممَّا سواهُما، ومن كان يُحب المرءَ لا يُحِبّهُ إلَاّ لله، ومنْ كان يكرهُ أن يرجع في الكُفرِ بعد إذ أنْقذَهُ الله منهُ، كما يكره أن يُلقَى في النَّار».
فأخبر أنَّ العبد لا يجدُ حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحبَّ إليه ممَّا سواه، ومحبَّته رسوله هي من محبته، ومحبَّة المرء إن كانت لله؛ فهي من محبَّة الله، وإنْ كانت لغير الله؛ فهي مُنقصةٌ لمحبَّة الله، مُضْعِفةٌ لها، وتصدُق هذه المحبَّة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه ــ وهو الكفر ــ بمنزلة كراهيته لإلقائه في النَّار أو أشدَّ.
ولا ريب أنَّ هذا من أعظم المحبة، فإنَّ الإنسان لا يقدِّم على محبَّة [٧٥ ب] نفسه وحياته شيئًا، فإذا قدَّم محبَّة الإيمان بالله على نفسه، بحيث لو خُيِّر بين الكفر وإلقائه في النَّار؛ لاختار أن يُلقى في النَّار، ولا يكفر؛ كان الله أحبَّ إليه من نفسه، وهذه المحبَّةُ فوق ما يجده سائر العُشَّاق والمُحبِّين من محبَّة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبَّة، كما لا مثل لمن تعلَّقتْ به، وهي محبَّةٌ تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال الذُّل، والخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعةِ، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبَّة مخلوقٍ،
(١) أخرجه البخاري (١٦، ٢١)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس.
ولو كان المخلوقُ من كان.
ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة؛ كان مشركًا شركًا لا يَغفِرهُ الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة/ ١٦٥] والصحيح أن معنى الآية: أنّ الذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله من أهل الأنداد لأندادهم، كما تقدَّم بيانه: أنَّ محبَّة المؤمنين لربهم لا يُماثلها محبَّةُ مخلوقٍ أصلًا، كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكلُّ أذًى في محبة غيره؛ فهو نعيمٌ في محبته، وكلُّ مكروه في محبة غيره؛ فهو قُرّة عين في محبته.
ومَنْ ضرب لمحبته الأمثال التي هي في محبة المخلوق للمخلوق، كالوصل، والهجر، والتَّجَنِّي بلا سبب من المحب، وأمثال ذلك ممَّا يتعالى الله عنه عُلوًّا كبيرًا؛ فهو مخطئٌ أقبح الخطأ وأفحشه، وهو حقيقٌ بالإبعاد والمقت. والآفة إنَّما هي من نفسه، وقلَّة أدبه مع محبوبه، والله تعالى نهى أن يَضْرب عبادُه له الأمثال، فهو لا يُقاس بخلقه.
وما ابتدع من ابتدع إلا من ضَرْبِ الأمثالِ له سبحانه، فأصحابُ الكلام المُحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة في الخبر عنه وما يُوصف به، وأصحابُ الإرادة المنحرفة ضربُوا له الأمثال في الإرادة والطلب، وكلاهما على بِدْعَةٍ وخطأ.
والعشقُ إذا تعلَّق بما يحبُّه الله ورسوله، [٧٦ أ] كان عشقًا ممدوحًا