أحدُها: محبَّةُ القرآن بحيث يغْنَى بسماعه عن سماع غيره، ويَهيم قلبُه في معانيه، ومراد المتكلِّم سبحانه منه، وعلى قدر محبَّة الله تكون محبَّة كلامه، فمن أحبَّ محبوبًا؛ أحبّ حديثه، والحديث عنه، كما قيل١:
إن كنت تزْعُمُ حبِّيفَلِمْ هجرتَ كتابي؟
أمَا تأمَّلت مَا فِيــه من لذيذ خطابي؟!
وكذلك محبَّةُ ذكرهِ ﷾ من علامة محبَّته، فإنَّ المحبَّ لا يشبعُ منْ ذكر محبوبه، بل لا ينساه، فيحتاجُ إلى من يُذكِّرهُ به. وكذلك من يحبُّ سماعَ أوصافِه، وأفعاله، وأحكامه، فعشقُ هذا كلِّه من أنفع العِشْق، وهو غايةُ سعادة العاشق، وكذلك عشقُ العلم النَّافع، وعشق أوصافِ الكمال من الكرم، والجود، والعِفَّة، والشَّجاعة، والصَّبر، ومكارم الأخلاق، فإن هذه الصفات لو صُوِّرت صُورًا؛ لكانت من أجمل الصُّور، وأبهاها، ولو صُوِّر العلم صورة؛ لكانت أجمل من صورة الشمس والقمر، ولكنَّ عشق هذه الصِّفات إنَّما يُناسب الأنفس الشريفة الزكيَّة، كما أن محبَّة الله، ورسوله، وكلامه، ودينه إنَّما تناسبُ الأرواح العُلْويَّة، السَّمائيَّة الزكيّة، لا الأرواح الأرضيَّة الدَّنيَّة، فإذا
أردت
(١) البيتان في «الجواب الكافي» (ص ٢٢٤).
أن تعرِف قيمة العبد وقدره؛ فانظر إلى محبوبه ومُراده، واعلم أنَّ العشق المحمود لا يعرِضُ فيه شيءٌ من الآفات المذكورة.
بقي ها هنا قسمٌ آخرُ، وهو عشقٌ محمودٌ، يترتَّب عليه مُفارقة المعشوق، كمن يعشقُ امرأته، أو أمته، فيفارقُها بموتٍ أو غيره، فيَذهبُ المعشوقُ، ويبقى العِشْقُ كما هو، فهذا نوعٌ من الابتلاء، إن صبرَ صاحبُه، واحتسب؛ نال ثواب الصَّابرين، وإن سَخِط، وجزع؛ فاته معشوقُه وثوابُه، وإن قابل هذه البلوى بالرِّضا والتسليم، فدرجتُه فوق درجة الصبر. وأعلى من ذلك أن يقابلها بالشُّكر نظرًا إلى حسن اختيار الله له؛ فإنَّه ما يقضي الله [٧٦ ب] للمؤمن قضاءً إلَاّ كان خيرًا له، فإذا علم أنَّ هذا القضاء خيرٌ له؛ اقتضى ذلك شكرَه لله على ذلك الخير الذي قضاه له، وإنْ لم يعلم كونه خيرًا له، فليسلِّم للصَّادق المصدوق في خبره المؤكَّد باليمين، حيث يقول: «والَّذي نَفْسي بيَدِهِ لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلَّا كان خيرًا له، إن أصابَتْهُ سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر، فكان خيرًا لهُ، وليس ذلك إلا للمُؤمن»١.
وإيمانُ العبد بأمرِه أن يعتقد أن ذلك القضاءَ خيرٌ له، وذلك يقتضي شكر من قضاه وقدَّره، وبالله التوفيق.