صغيرٍ، ثم قال رسول الله ﷺ: «آذنْ من حولك» فكانت تلك وليمةَ رسول الله ﷺ على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيتُ رسول الله ﷺ يُحَوِّي لها وراءه بعباءةِ، ثم يجلس عند بعيره فيضعُ ركبته، فتضعُ صفيةُ رجلها عند ركبته حتى تركب.
وعند أبي داود١ في هذه القصَّة قال: وقع في سهم دِحية جاريةٌ جميلةٌ، فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرْؤُس، ثمَّ دفعها إلى أُم سُليم، تُصنِّعُها، وتهيئُها، وتعتدُّ في بيتها، وهي صفية بنتُ حُيَيٍّ.
وقال أبو عبيدة٢: حجَّ عبد الملك بنُ مروان ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان خالد هذا من رجال قريش المعدودين، وكان عظيم القدر عند عبد الملك، فبينا هو يطوفُ بالبيت، إذ بَصُرَ برملة بنت الزُّبير بن العوام، فعشقها عشقًا شديدًا، ووقعت بقلبه وقوعًا متمكِّنًا، فلما أراد عبد الملك القُفُول؛ همَّ خالدٌ بالتخلُّف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمة، فبعث إليه، فسأله عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين! رملةُ بنت الزُّبير، رأيتها تطوفُ بالبيت، فأذهلت عقلي، والله ما أبديتُ إليك ما بي حتى عِيلَ صبري، ولقد عرضتُ النوم على عيني، فلم تقبله، والسُّلُوَّ على قلبي، فامتنع منه. فأطال عبد الملك التَّعجُّبَ من ذلك، وقال: ما
(١) رقم (٢٩٩٧).
(٢) أخرجه الخرائطي (ص ١٥٢ - ١٥٣)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٦٧ - ١٦٨).
كنتُ أقول: إنَّ الهوى يستأسرُ مثلك، قال: فإني لأشدُّ تعجُّبًا من تعجُّبك منِّي. ولقد كنت أقول: إنَّ الهوى لا يتمكَّن إلَاّ من صنفين من النَّاس: الشُّعراء والأعراب.
أما الشعراءُ فإنَّهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء، ووصفِهنَّ، والغزل، فمالَ طبعهم إلى [٧٨ أ] النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى، فاستسلموا إليه منقادين.
وأمَّا الأعراب فإنَّ أحدهم يخلو بامرأته، فلا يكون الغالبُ عليه غير حبِّه لها، ولا يشغلُه عنه شيءٌ، فضعفوا عن دفع الهوى، فتمكَّن منهم. فما رأيتُ نظرةً حالت بيني وبين الحزم، وحسَّنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه.
فتبسَّم عبد الملك، وقال: أوَكلّ هذا قد بلغ بك؟ فقال: والله ما عرتني هذه البليَّةُ قبل وقتي هذا، فوجَّه عبد الملك إلى آل الزُّبير يخطُب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك، فقالت: لا والله أو يُطلِّق نساءه! فطلَّق امرأتين كانتا عنده، وظعن بها إلى الشام، وكان يقول١:
أليس يزيدُ الشوقُ في كلِّ ليلةٍوفي كلِّ يومٍ من حبيبتنا قُرْبا
خليليَّ ما مِن ساعةٍ تذكُرانِهامن الدهر إلا فرَّجتْ عنِّي الكرْبا
(١) بعض هذه الأبيات لخالد بن يزيد في «الأغاني» (١٧/ ٣٤٤)، و«زهر الآداب» (١/ ٣٩٣)، و«الكامل» للمبرد (١/ ٤٥٠)، و«الحماسة البصرية» (٢/ ٢٢٨)، و«معجم الأدباء» (٣/ ١٢٤١)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ٢٢٤، ٢٢٥).