روضة المحبين

المدينة، فأتى بشر بن مروان في وقت غدائه، فلمَّا فرغ من غدائه؛ أُدخل عليه، فقال: ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك؟ أما سمعت النداء؟ فقال: اسمع عُذْري، فإمَّا عفوتَ، وإما عاقبت. فقال: ويلك! وهل لك من عذرٍ؟ فقصَّ عليه قصَّته وقصَّة ابنة عمِّه، فقال: أوْلى لكما. يا غلام! خُطَّ على اسمه من البَعْث، وأعطِهِ عشرة آلاف درهم، والحقْ بابنة عمِّك.

سهرتُ ومنْ أهدى لي الشَّوق نائمُوعذَّبَ قلبي بالهوى وهو سالمُ١
فواحسرتا حتَّى متى أنا قائلٌلمنْ لامني في حُبِّكم أنت ظالمُ
وحتَّى متى أُخفي الهوى وأُسِرُّهوأدفِنُ شوقي الحَشَا وأُكاتمُ
أريدُ الذي قد سرَّكم بمساءتيليفعل واشٍ أو ليعذُر لائمُ

وقال آخر٢:

بي لا بها ما أُقاسي من تجَنِّيهاومن جوى الحُبِّ في الأحْشاء أفْدِيها
والله يعلم أني لا أُسرُّ بأنتلقى منْ الوجد ما لاقيتُه فيها
خوف البكاء كما أبكي فيترُكنيأبكي على كبدي طورًا وأبكيها

وقال العبَّاس بن هشام الكلبي٣: ضرب عبد الملك بن مروان بعثًا إلى اليمن، فأقاموا سنين، حتى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق قال: والله

  1. (١) الأبيات في «اعتلال القلوب» (ص ٣٠٥) وقبلها: «أنشدني الحسين بن زياد».
  2. (٢) الأبيات في المصدر السابق (ص ٣٠٥).
  3. (٣) أخرجه الخرائطي (ص ٢٧٢). والخبر والشعر في بهجة المجالس (٢/ ٤٦، ٤٧).
305

لأعُسَّنَّ الليلة مدينة دمشق، ولأسمعنَّ الناسَ ما يقولون في البعث؛ الذي أغزيت فيه رجالهم، وأغرمتُهم أموالهم! فبينا هو في بعض أزقَّتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تُصلِّي، فتسمَّع إليها، فلما انصرفتْ إلى مضجعها قالت: اللَّهُمَّ مُسيِّر السحب، ومُنزلَ الكُتب، ومعطي الرغب، أسألك أن تؤدي غائبي، فتكشف به همِّي، وتُقِرَّ به عيني، وأسألك [٧٩ أ] أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان، الذي فعل بنا هذا، ثم أنشأت تقول:

تطاول هذا اللَّيلُ فالعينُ تدمعُوأرَّقني حُزنٌ لقلبي مُوجِعُ
فَبِتُّ أُقاسي اللَّيْل أَرْعى نُجومَهوباتَ فُؤادي بالجَوى يتقطَّعُ
إذا غاب منها كوكبٌ في مغيبهلمَحْتُ بعيني كوكبًا حين يطْلعُ
إذا ما تذكَّرتُ الذي كان بينناوجدتُ فُؤادي حسرةً يتصدَّعُ
وكلُّ حبيبٍ ذاكرٌ لحبيبهيُرَجِّي لقاه كلَّ يومٍ ويطمعُ
فذا العرش فَرِّج ما ترى من صبابتيفأنت الذي يدعو العبادُ فيسمعُ
دعوتُكَ في السَّرَّاءِ والضُرِّ دعوةًعلى حاجةٍ بين الشراسيف تلْذَعُ

فقال عبد الملك لحاجبه: تعرِفُ هذا المنزل؟ قال: نعم! هذا منزلُ يزيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجتُه، فلما أصبح سأل كم تصبرُ المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر.

وقال جرير بن حازم١، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جُبير

  1. (١) أخرجه الخرائطي (ص ١٨٣ - ١٨٤). وأخرجه عن السائب بن جبير بنحوه: السراج في مصارع العشاق (٢/ ١٤٦)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٨٢ - ٢٨٣). وانظر الأوائل (٢/ ١٩٠)، والمستجاد (ص ٢٢٩).
306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي