روضة المحبين

لأعُسَّنَّ الليلة مدينة دمشق، ولأسمعنَّ الناسَ ما يقولون في البعث؛ الذي أغزيت فيه رجالهم، وأغرمتُهم أموالهم! فبينا هو في بعض أزقَّتها إذا هو بصوت امرأة قائمة تُصلِّي، فتسمَّع إليها، فلما انصرفتْ إلى مضجعها قالت: اللَّهُمَّ مُسيِّر السحب، ومُنزلَ الكُتب، ومعطي الرغب، أسألك أن تؤدي غائبي، فتكشف به همِّي، وتُقِرَّ به عيني، وأسألك [٧٩ أ] أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان، الذي فعل بنا هذا، ثم أنشأت تقول:

تطاول هذا اللَّيلُ فالعينُ تدمعُوأرَّقني حُزنٌ لقلبي مُوجِعُ
فَبِتُّ أُقاسي اللَّيْل أَرْعى نُجومَهوباتَ فُؤادي بالجَوى يتقطَّعُ
إذا غاب منها كوكبٌ في مغيبهلمَحْتُ بعيني كوكبًا حين يطْلعُ
إذا ما تذكَّرتُ الذي كان بينناوجدتُ فُؤادي حسرةً يتصدَّعُ
وكلُّ حبيبٍ ذاكرٌ لحبيبهيُرَجِّي لقاه كلَّ يومٍ ويطمعُ
فذا العرش فَرِّج ما ترى من صبابتيفأنت الذي يدعو العبادُ فيسمعُ
دعوتُكَ في السَّرَّاءِ والضُرِّ دعوةًعلى حاجةٍ بين الشراسيف تلْذَعُ

فقال عبد الملك لحاجبه: تعرِفُ هذا المنزل؟ قال: نعم! هذا منزلُ يزيد بن سنان. قال: فما المرأة منه؟ قال: زوجتُه، فلما أصبح سأل كم تصبرُ المرأة عن زوجها؟ قالوا: ستة أشهر.

وقال جرير بن حازم١، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جُبير

  1. (١) أخرجه الخرائطي (ص ١٨٣ - ١٨٤). وأخرجه عن السائب بن جبير بنحوه: السراج في مصارع العشاق (٢/ ١٤٦)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٢٨٢ - ٢٨٣). وانظر الأوائل (٢/ ١٩٠)، والمستجاد (ص ٢٢٩).
306

قال: كان عمرُ بن الخطَّاب ﵁ إذا أمسى؛ أخذ دِرَّته، ثم طاف بالمدينة، فإذا رأى شيئًا يُنكره؛ أنكرَه، فبينا هو ذات ليلة يعُسُّ؛ إذ مرَّ بامرأةٍ على سطْحٍ، وهي تقول:

تطاول هذا اللَّيلُ واخْضَلَّ جانبُهوأرَّقَني ألَّا خليلٌ أُلاعبُهْ
فوالله لولا الله لا ربَّ غيرُهلَحُرِّك من هذا السَّريرِ جَوانبُهْ
مخافةُ رَبِّي والحياءُ يكفُّنيوأُكرِمُ بعلي أنْ تُنالَ مراكبُهْ

ثم تنفَّست الصُّعَداء، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب ما لقيتُ الليلة، فضرب باب الدَّار، فقالت: من هذا الذي يأْتي إلى امرأة مُغِيبَةٍ هذه السَّاعة؟ فقال: افتحي! فأبتْ، فلمَّا أكثر عليها؛ قالت: أما والله لو بلغ أمير المؤمنين؛ لعاقبَك، فلما رأى عفافها؛ قال: [٧٩ ب] افتحي، فأنا أميرُ المؤمنين، قالت: كذبت، ما أنت أمير المؤمنين! فرفع بها صوته، وجهر لها، فعرفتْ أنَّه هو، ففتحت له، فقال: هِيهِ! كيف قلتِ؟ فأعادتْ عليه ما قالت، فقال: أين زوجُكِ؟ قالت: في بَعْثِ كذا، وكذا، فبعث إلى عامل ذلك الجند: أنْ سَرِّحْ فلان بن فلان، فلمَّا قَدِمَ عليه؛ قال: اذهب إلى أهلك. ثم دخل على حَفْصة ابنتِه، فقال: أي بُنَيَّة! كم تصبِرُ المرأةُ عن زوجها؟ قالت: شهرًا، واثنين، وثلاثة، وفي الرابع يَنْفَد الصَّبرُ،

307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي