روضة المحبين

الباب الثَّامن عشر

في أنَّ دواء المُحبِّين في كمال الوصال

الذي أباحه ربُّ العالمين

وقد جعل الله ﷾ لكلِّ داءٍ دواء، ويسَّر الوصول إلى ذلك الدواء شرعًا وقدرًا، فمن أراد التَّداوي بما شرعه الله له، واستعان عليه بالقدر، وأتى الأمر من بابه؛ صادف الشِّفاء، ومن طلب الدَّواء بما منعه منه شرعًا ــ وإن امتحنه به قدرًا ــ فقد أخطأ طريق المُداواة، وكان كالمتداوي من داءٍ بداءٍ أعظم منه، وقد تقدَّم حديث طاوس عن ابن عباس ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النكاح»١.

وقد اتفق رأْيُ العقلاء من الأطباء وغيرهم في مواضعة الأدوية: أنَّ شفاء هذا الدَّاءِ في التقاءِ الزَّوجين والتصاق البَدَنَيْنِ.

وقد روى مسلم في صحيحه٢: من حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ ﵁ أنَّ رسول [٨٠ أ] الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى زينبَ، فقضى حاجتَه منها، وقال: «إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورةِ شيطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورة

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) برقم (١٤٠٣).
309

شيطان، فإذا رأى أحدُكم امْرَأةً، فأَعْجَبَتْهُ، فلْيَأْتِ أهْلَهُ؛ فإنَّ ذلك يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ».

وذكر إسماعيل بنُ عيَّاش١، عن شُرَحْبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخَولاني ﵀ أنه كان يقول: يا معشر خَوْلان! زوِّجوا شبابَكم وأياماكم، فإن الغُلْمَة أمرٌ عارمٌ، فأعِدُّوا لها عُدَّتها، واعلموا أنه ليس لمُنْعِظٍ إذن. يُريد أنَّه إذا استأذن عليه أحدٌ فلا إذن له.

وذكر العتبيّ٢: أنَّ رجلًا من ولد عثمان، ورجلًا من ولد الحسين خرجا يريدان موضعًا لهما، فنزلا تحت سَرْحَةٍ فأخذ أحدُهما ورقةً، فكتب عليها:

خبِّرينا خُصِصْتِ بالغيثِ ياسَرْحُ بصدقٍ والصِّدق فيه شفاءُ

وكتب الآخر:

هل يموتُ المحبُّ من ألَم الحُبْــبِ ويَشفي من الحبيب اللِّقاءُ؟

ثم مضيا، فلما رجعا؛ وجدا مكتوبًا تحت ذلك:

إنَّ جهلًا سؤالُك السَّرْحَ عمَّاليس يومًا عليك فيه خَفاءُ
ليس للعاشق المُحِبِّ من الحُبْــبِ سوى لذَّةِ اللِّقاءِ شفاءُ
  1. (١) أخرجه الخرائطي (ص ١١٩).
  2. (٢) الخبر والأبيات في أدب الغرباء (ص ٢٨، ٢٩)، وبدائع البدائه (ص ٨٩، ٩٠).
310

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي