أرسله للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وإلى صراطه المستقيم هاديًا، وفي مَرْضَاتِه ومَحَابِّه ساعيًا، وبكل معروفٍ آمرًا، وعن كل منكرٍ ناهيًا.
رفعَ له ذكرَه، وشرَح له صدرَه، ووضعَ عنه وزْرَه١، وجعلَ الذِّلَّةَ والصَّغار عَلَى من خالفَ أمره٢، وأقسمَ بحياته في كتابه المبين٣، وقرنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر اللهُ ذُكِر معه، كما في الخُطَب والتَّشَهُّدِ والتأذين، فلا يصح لأحدٍ خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذان حتى يشهدَ أنه عبده ورسوله شهادة اليقين.
أغرُّ عليه للنبوة خَاتمٌمن اللهِ مَيْمُونٌ يلوحُ ويشْهَدُ
وضَمَّ الإلهُ اسْمَ النبيِّ إلى اسمِهإِذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشهدُ
وشَقَّ له مِن اسمِه لِيُجِلَّهفذو العَرْشِ محمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ٤
أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السُّبل، وافترضَ على العباد محبَّته، وطاعتَه، وتوقيرَهُ، والقيامَ بحقوقه،
(١) كما في سورة الانشراح.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٥٠، ٩٢) عن ابن عمر.
(٣) في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[الحجر/٧٢].
(٤) الأبيات لحسان بن ثابت في «خزانة الأدب» (١/ ١٠٩) نقلًا عن «المواهب اللدنية» (٣/ ١٥٥). ويوجد البيت الثالث منها ضمن مقطوعة في «ديوانه» (ص ٣٣٨) برواية السكّري.
وسَدَّ إلى الجنة جميعَ الطرق، فلم يَفتَحْ لأحدٍ إلا من طريقه. فلا مَطمَعَ في الفوز بجزيل الثواب، والنجاةِ من وَبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين، ولا يُؤمِنُ عبدٌ حتى يكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولدِه ووالدِه والناسِ أجمعين١.
فصلَّى الله وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ عباده المؤمنين عليه، كما وحَّد الله، وعرَّف أمتَه به، [٢ ب] ودعا إليه، صلاةً لا تَرُومُ عنه انتقالًا ولا تحويلًا، وعَلَى آلِه الطيبين، وصحبه٢ الطاهرين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ، فإن الله ــ جلَّ ثناؤُه، وتقدَّستْ أسماؤُه ــ جعل هذه القلوبَ أوعيةً، فخيرُها أوعاها للخير والرشاد، وشرُّها أوعاها للغَيِّ والفساد، وسلَّط عليها الهوى، وامتحنها بمخالفته لتنالَ بمخالفته جنَّةَ المأوى، ويستحقَّ من لا يَصْلُحُ للجنة بمتابعته نارًا تلظَّى، وجعله مَرْكَبَ النفسِ الأمارة بالسوء وقُوتَهَا وغذاءها، وداءَ النفس المطمئنة ومخالفتَه دَواءَها، ثم أوجب سبحانه على العبد في هذه المدة القصيرة ــ التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعةٍ من نهار، أو كبَلَلٍ ينالُ الإصبعَ حين يُدخِلها في بحرٍ من البحار٣ - عصيانَ النفس الأمارة، ومجانبةَ هواها، ورَدَعَها عن٤
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) عن أنس بن مالك.
(٢) «وصحبه» ساقطة من ت.
(٣) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٨٥٨) عن المستورد بن شداد.