روضة المحبين

وسَدَّ إلى الجنة جميعَ الطرق، فلم يَفتَحْ لأحدٍ إلا من طريقه. فلا مَطمَعَ في الفوز بجزيل الثواب، والنجاةِ من وَبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين، ولا يُؤمِنُ عبدٌ حتى يكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولدِه ووالدِه والناسِ أجمعين١.

فصلَّى الله وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ عباده المؤمنين عليه، كما وحَّد الله، وعرَّف أمتَه به، [٢ ب] ودعا إليه، صلاةً لا تَرُومُ عنه انتقالًا ولا تحويلًا، وعَلَى آلِه الطيبين، وصحبه٢ الطاهرين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ، فإن الله ــ جلَّ ثناؤُه، وتقدَّستْ أسماؤُه ــ جعل هذه القلوبَ أوعيةً، فخيرُها أوعاها للخير والرشاد، وشرُّها أوعاها للغَيِّ والفساد، وسلَّط عليها الهوى، وامتحنها بمخالفته لتنالَ بمخالفته جنَّةَ المأوى، ويستحقَّ من لا يَصْلُحُ للجنة بمتابعته نارًا تلظَّى، وجعله مَرْكَبَ النفسِ الأمارة بالسوء وقُوتَهَا وغذاءها، وداءَ النفس المطمئنة ومخالفتَه دَواءَها، ثم أوجب سبحانه على العبد في هذه المدة القصيرة ــ التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعةٍ من نهار، أو كبَلَلٍ ينالُ الإصبعَ حين يُدخِلها في بحرٍ من البحار٣ - عصيانَ النفس الأمارة، ومجانبةَ هواها، ورَدَعَها عن٤

  1. (١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) عن أنس بن مالك.
  2. (٢) «وصحبه» ساقطة من ت.
  3. (٣) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٨٥٨) عن المستورد بن شداد.
  4. (٤) ش: «من».
8

شهواتها التي في نيلها رَدَاها، ومَنَعَها من الركون إلى لذاتها، ومطالبةِ ما استدعتْه العيونُ الطامحةُ بلحظاتها؛ لتنالَ نصيبَها من كرامتِه وثوابِه موفَّرًا كاملًا، وتلتذَّ آجلًا بأضعاف ما تَركَتْه لله عاجلًا، وأمرَها بالصيام عن محارمه؛ ليكون فطرُها عنده يومَ لقائِه، وأخبرها أنَّ معظمَ نهار الصيام قد ذهب، وأنَّ عيدَ اللقاءِ قد اقترب، فلا يَطولُ عليها الأمدُ باستبطائه.

فمَا هي إلا سَاعةٌ ثمَّ تَنْقَضِيويَذهبُ هَذا كُلُّه ويَزُولُ١

هيَّأها لأمرٍ عظيم، وأعدَّها لخَطْبٍ جَسيم، وذَخَرَ لها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ من النعيم المقيم٢. واقتضَتْ حكمتُه البالغةُ أنَّها لا تَصِلُ إليه إلا من طريق المَكاره والنَّصَب، ولا تَعبُرُ إليه إلا عَلَى جِسْرِ المشقَّةِ والتَّعب، فحَجَبه بالمكروهات صِيانةً له عن الأنفس الدنيّات، المُؤْثِرة للرذائل والسُّفليَّات، وشمَّرت إليه النفوسُ العُلْويَّات، والهممُ العليّات، فامتطَتْ في السير إليه ظهورَ [٣ أ] العَزَمات٣، فسارت في ظهورها إلى أشرف الغايات:

  1. (١) ذكره المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٢) بلا نسبة. وللبهاء زهير بيت يشبهه في ديوانه (ص ٢١٠).
  2. (٢) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) عن أبي هريرة.
  3. (٣) «والهمم .. العزمات» ساقطة من ش.
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي