رأيتُه بِنِجاد السَّيْفِ محتبيًافي النَّوْم بدرًا جلتْ عن وجهه ظُلمُه
فقلت والدَّمعُ من حُزْنٍ ومِنْ كمدٍيجري انسكابًا على الخَدَّين مُنْسَجِمُهْ
ألم تمُتْ يا شقيق النَّفسِ مُذْ زمنٍفقال لي لم يمتْ من لم يمُت كرَمُه
فصل
وهذا فصل في ذكر حقيقة الحُسْنِ والجمال ما هي؟ وهذا أمرٌ لا يُدْرَك إلا بالوصف، وقد قيل: إنَّه تناسُب الخِلْقة، واعتدالُها، واستواؤها، وربَّ صُورةٍ متناسبة الخِلْقة، وليست في الحُسن هناك، وقد قيل: الحُسْنُ في الوجه، والملاحةُ في العينين. وقيل: الحُسْنُ أمرٌ مركَّبٌ من أشياء: وضاءة، وصباحة، وحسنُ تشكيل، وتخطيطٍ، ودموثة في البشرة، وقيل: الحسنُ معنى لا تناله العبارة، ولا يُحيط به الوصفُ، وإنَّما للناس منه أوصافٌ أمكن التعبيرُ عنها.
وقد كان رسول الله [٨٧ ب]ﷺ في الذُّرْوة العُليا منه، ونظرت إليه عائشة يومًا، ثم تبسَّمتْ، فسألها: «ممَّ ذاك؟» فقالت: كأنَّ أبا كبيرٍ الهذليَّ
إنَّما عناك بقوله١:
ومُبَرَّأٌ من كلِّ غُبَّر حَيضةٍوفسادِ مُرْضِعَة وداءٍ مُغْيلِ
وإذا نظرتَ إلى أسرَّةِ وَجْهِهبَرَقتْ كبرْقِ العارِض المُتَهَلِّل
ولقي بعضُ الصَّحابة راهبًا، فقال: صف لي محمدًا كأنِّي أنظرُ إليه، فإنِّي رأيتُ صفته في التوراة والإنجيل، فقال: لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير، فوق الرَّبعة، أبيضَ اللون مُشْرَبًا بالحمرة، جَعْدًا ليس بالقطط، جُمَّتُه إلى شحمة أُذنه، صَلْتَ الجبين، واضحَ الخَدِّ، أدعَج العينين، أقنى الأنف، مفلَّج الثنايا، كأنَّ عنقه إبريقُ فضَّة، ووجهه كدارة القمر. فأسلم الراهب.
وفي صفة هند بن أبي هالة له ﷺ: لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ ولا بالقصير المتردِّد، كان رَبْعَةً من الرِّجال، ولم يكن بالجَعْد القطط، ولا بالسَّبط، ولم يكن بالمُطهَّم ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، أبيضُ مُشْرَب، أدعج العينين، أهدَبُ الأشفار، جليلُ المُشاش والكتدِ، شَثْن الكفين والقدمين، دقيقُ المسْرُبة، إذا مشى تقلَّع كأنما ينحطُّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، كأن الشمس تجري في وجهه٢.
(١) انظر شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤)، وحماسة أبي تمام (١/ ٧٣، ٧٤). والقصة مخرجة في السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩، ١١)، والترمذي في الشمائل (١١).