ومُبَرَّأٌ من كلِّ غُبَّر حَيضةٍوفسادِ مُرْضِعَة وداءٍ مُغْيلِ
وإذا نظرتَ إلى أسرَّةِ وَجْهِهبَرَقتْ كبرْقِ العارِض المُتَهَلِّل
ولقي بعضُ الصَّحابة راهبًا، فقال: صف لي محمدًا كأنِّي أنظرُ إليه، فإنِّي رأيتُ صفته في التوراة والإنجيل، فقال: لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير، فوق الرَّبعة، أبيضَ اللون مُشْرَبًا بالحمرة، جَعْدًا ليس بالقطط، جُمَّتُه إلى شحمة أُذنه، صَلْتَ الجبين، واضحَ الخَدِّ، أدعَج العينين، أقنى الأنف، مفلَّج الثنايا، كأنَّ عنقه إبريقُ فضَّة، ووجهه كدارة القمر. فأسلم الراهب.
وفي صفة هند بن أبي هالة له ﷺ: لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ ولا بالقصير المتردِّد، كان رَبْعَةً من الرِّجال، ولم يكن بالجَعْد القطط، ولا بالسَّبط، ولم يكن بالمُطهَّم ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، أبيضُ مُشْرَب، أدعج العينين، أهدَبُ الأشفار، جليلُ المُشاش والكتدِ، شَثْن الكفين والقدمين، دقيقُ المسْرُبة، إذا مشى تقلَّع كأنما ينحطُّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، كأن الشمس تجري في وجهه٢.
(١) انظر شرح أشعار الهذليين (٣/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤)، وحماسة أبي تمام (١/ ٧٣، ٧٤). والقصة مخرجة في السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٩، ١١)، والترمذي في الشمائل (١١).
وكان ﷺ مع هذا الحسن قد أُلقيت عليه المحبَّةُ، والمهابةُ، فمن وقعت عليه عيناه؛ أحبَّه، وهابه، وكمَّل الله سبحانه له مراتب الجمال ظاهرًا وباطنًا. وكان أحسنَ خلقِ الله خَلقًا وخُلقًا، وأجملَهم صورةً ومعنى. وهكذا كان يوسفُ الصِّديق ﷺ، ولهذا قالت امرأةُ العزيز للنِّسوة لمَّا أرتْهُنَّ إياه؛ ليعذُرْنَها في محبَّته: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾[يوسف/٣٢] أي: هذا هو الذي فُتنت به، وشُغِفْتُ بحبِّه، فمن يلومني على محبته، وهذا حسن منظره. [٨٨ أ] ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾[يوسف/٣٢] أي: ومع هذا الجمال، فباطنُه أحسنُ من ظاهره، فإنَّه في غاية العفَّة، والنَّزاهة، والبُعد عن الخنا، والمحبُّ وإن عِيبَ محبوبه؛ فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه، ومدحه.
ويتعلَّق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾[الإنسان/١١]. فجمَّل ظواهرهم بالنَّضْرة، وبواطنهم بالسُّرور، ومثله قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/٢٢ ــ ٢٣] فإنه لا شيء أشهى إليهم، وأقرُّ لعيونهم، وأنعم لبواطنهم من النَّظر إليه، فنضَّر وجوههم بالحسن، ونعَّم قلوبهم بالنظر إليه.
وقريبٌ منه قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر، ثم قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾[الإنسان/٢١] أي: مطهرًا لبواطنهم من كل أذىً. فهذا زينة الباطن، ويشبهه قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا