روضة المحبين
وركبٍ سَرَوْا والليلُ١ مُرْخٍ رِوَاقَهعَلَى كُلِّ مُغْبَرِّ المَوارِدِ قاتم
حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرضُ بينَهافصَارَ سُراهم في ظُهورِ العَزائم
أَرتْهم نجومُ اللَّيل ما يطلبُونَهعلى عَاتِق الشِّعرى وهَامِ النَّعائم
فأَمُّوا حِمًى لا يَنْبغي لِسوَاهُمُومَا أَخَذَتْهُم فيه لَوْمَةُ لائِمِ٢

أجابوا مُناديَ الحبيب لمَّا أذَّن بهم حيّ على الفلاح، وبذلوا نفوسَهم في مرضاتِه بذلَ المُحِبِّ بالرضا والسَّماح، وواصلوا السيرَ إليه بالغدوِّ والرَّواح، فحمِدوا عند الوصول مَسْرَاهم، وإنما «يَحْمَدُ القومُ السُّرى عند الصَّباحِ»٣. تعبوا قليلًا، فاستراحُوا طويلًا، وتركوا حقيرًا، واعتاضوا عظيمًا.

وضعوا اللذةَ العاجلةَ والعاقبةَ الحميدةَ في ميزان العقل، فظهرَ لهم التفاوت، فرأوا من أعظم السَّفه بيعَ الحياة الطيبة الدائمة في النعيم

  1. (١) ش: «والركب» تحريف.
  2. (٢) الأبيات للشريف الرضي في «ديوانه» (٢/ ٣٨٢) باختلافٍ في الرواية.
  3. (٣) في المثل: «عند الصباح يحمد القوم السرى» كما في «جمهرة الأمثال» (٢/ ٤٢)، و«مجمع الأمثال» (٢/ ٣)، و«المستقصى» (٢/ ١٦٨) وغيرها. يُضرَب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة.
10

المقيم بلذةِ ساعةٍ تذهبُ شهوتُها، وتبقى شقوتُها.

هذا وإنّ من أيام اللذات لو صَفَتْ للعبد من أوَّل عمره إلى آخره لكانت كسحابةِ صَيفٍ تتقشَّعُ عن قليلٍ١، وخيال طَيفٍ ما استتمَّ الزيارةَ حتى آذنَ بالرحيل.

قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ٢٠٦ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء/٢٠٥ ــ ٢٠٧]، ومَنْ ظَفِرَ بمأموله من ثواب الله، فكأنَّه لم يُوْتَرْ٢ مِن دهره ما كان يُحاذره ويخشاه، وكان عمرُ بن الخطاب ﵁ يتمثل بهذا البيت:

كأنَّكَ لم تُوتَرْ٣ مِن الدَّهرِ مرةًإذا أنتَ أدركتَ الذي أنتَ طالبُه

فصل

وهذا ثمرةُ العقل الذي به عُرِفَ اللهُ ﷾، وأسماؤُهُ، وصفاتُ كماله، ونعوتُ جلاله، وبه آمن المُؤْمِنُون بكتبِه ورُسلِه ولقائِه

  1. (١) إشارة إلى شطر بيت: سحابة صيفٍ عن قليل تَقشَّعُ
    وهو لابن شبرمة في «البيان والتبيين» (٣/ ١٤٦)، و«عيون الأخبار» (١/ ٥٦)، و«أدب الدنيا والدين» (ص ٤٠). وتمثَّلَ به خالد بن صفوان كما في «العقد الفريد» (٤/ ٣٦)، و«مجمع الأمثال» (١/ ٣٤٤).
  2. (٢) ش: «لم يوثره» تحريف.
  3. (٣) ش: «توثر».
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي