روضة المحبين

وملائكته، وبه عُرِفَتْ [٣ ب] آياتُ ربوبيته، وأدلةُ وحدانيته، ومعجزاتُ رسله، وبه امْتُثِلَتْ أوامرُه، واجْتُنِبَتْ نواهيه. وهو الذي يَلْمَحُ العواقبَ فرَاقبَها، وعَمِلَ بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فردَّ جيشَه مفلولًا، وساعدَ الصبرَ حتى ظَفِرَ به بعد أن كانَ بسهامه مقتولًا، وحثَّ عَلَى الفضائل، ونهى عن الرذائل، وَفَتقَ المعاني، وأدركَ الغوامضَ، وشَدَّ أزْرَ العزم، فاستوى على سُوقه، وقَوَّى أزْرَ الحزم حتى حَظِي من الله بتوفيقه، فاستجلبَ ما يَزينُ، ونفى ما يَشينُ، فإذا تُرِكَ وسلطانه أسرَ جنودَ الهوى، فحصرَها في حبس «مَنْ تركَ لله شيئًا عوَّضه الله خيرًا منه»١، ونهضَ بصاحبه إلى منازل الملوك، إذا صيَّر الهوى المَلِكَ بمنزلة العبد المملوك، فهو٢ شجرةٌ عُروقُها٣ الفكر في العواقب، وساقُها الصبر، وأغصانُهَا العِلْم، وورقها حسن الخُلُقِ، وثمرها الحكمة، ومادَّتها توفيق مَنْ أزِمَّة الأمور بيديْه، وابتداؤُها منه وانتهاؤُها إليه.

وإذا كان هذا وصفه، فقبيحٌ أن يُدال عليه عدوُّه، فيعزِلَه عن مملكته، ويَحُطَّه عن رتبته٤، وَيَسْتَنْزِلَه عن درجته، فيُصبحَ أسيرًا بعد أنْ كان

  1. (١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٦٣) عن رجل من الصحابة مرفوعًا بلفظ: «إنك لن تدع شيئًا لله إلاّ بدَّلك الله به ما هو خير لك منه» وإسناده صحيح.
  2. (٢) ش: «فهي».
  3. (٣) ش: «عرقها».
  4. (٤) «ويحطه عن رتبته» ساقطة من ش.
12

أميرًا، ومحكومًا عليه١ بعد أن كان حاكمًا، وتابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومَنْ صبرَ على حكمه أرتَعَه في رياض الأماني والمُنَى، ومن خرجَ عن حكمه أوردَه حِياضَ الهلاك والرَّدَى.

قال علي بن أبي طالب٢ ﵁: لقد سبقَ إلى جنات عدنٍ أقوامٌ ما كانوا بأكثر الناس صلاةً، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله مواعظَه، فوجِلَتْ منه قلوبُهم، واطمأنتْ إليه نفوسُهم، وَخَشَعَتْ له جوارحُهم، ففاقوا الناسَ بطيب المنزلة، وعلوِّ الدرجة عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة.

وقال عمر بن الخطاب٣ ﵁: ليس العاقلُ الذي يعرفُ الخيرَ من الشر، ولكنه الذي يعرف خيرَ الشرَّينِ [٤ أ].

وقالت عائشة٤ ﵂: قد أفلحَ من جعلَ اللهُ له عقلًا.

وقال ابن عباس٥ ﵄: وُلد لكسرى مولودٌ، فأحضَرَ

  1. (١) «عليه» ساقطة من ش.
  2. (٢) أخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٧).
  3. (٣) كما في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٦)، و«ذم الهوى» (ص ٧). ورُوِي نحوه عن عمرو بن العاص في «عيون الأخبار» (١/ ٢٨٠)، و«بهجة المجالس» (١/ ٥٣٥). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٧ - ٢٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٣٩) عن سفيان بن عيينة.
  4. (٤) «ذم الهوى» (ص ٨).
  5. (٥) الخبر عن ابن عائشة في «ذم الهوى» (ص ٨)، ونحوه في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣١).
13

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي