أَذُودُ سوامَ الطرف عنك وما لهُعلى أحدٍ إلَاّ عليك طريقُ
بل المحب في عين المحبوب تمثاله، كما في قلبه شخصُه ومثالُه، قال القائل٢:
ومن عجب أنِّي أحِنُّ إليهمُوأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي
وتطلبُهم عيني وهم في سوادهاويشتاقُهم قلبي وهم بين أضلعي
فالمحبُّ نظره وقفٌ على محبوبه كما قال٣: [٩٩ أ]
إن يحجُبوها عن العيون فقدْحجَبْتُ عيني لها عن البشر
فصل
ومنها: إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه، ورميه بطرفه نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحيائه منه، وعظمته في صدره، ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم، وهو يُحِدُّ النَّظر إليهم، بل يكون خافض الطرف إلى الأرض.
(١) سبق البيت.
(٢) سبق البيتان.
(٣) البيت لمسلم بن الوليد في ديوانه (ص ٢٩١)، والشعر والشعراء (٢/ ٨٤١)، والمحب والمحبوب (٢/ ١٧٦).
قال الله تعالى مخبرًا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾[النجم/١٧] وهذا غايةُ الأدب، فإن البصر لم يزغ يمينًا ولا شمالًا، ولا طمح متجاوزًا إلى ما هو رائيه ومقبلٌ عليه، كالمُتشارف إلى ما وراء ذلك.
ولهذا اشتدَّ نهي النبي ﷺ للمصلِّي أن يَرفع بصره إلى السماء، وتوعَّدهم على ذلك بخطف أبصارهم؛ إذ هذا من كمال الأدب مع مَنِ المصلي واقفٌ بين يديه، بل ينبغي له أن يقف ناكس الرَّأس، مطرقًا إلى الأرض، ولولا أن رب العالمين سبحانه فوق سمواته على عرشه؛ لم يكن فرقٌ بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل.
فصل
ومنها: كثرةُ ذكر المحبوب، واللهجُ بذكره وحديثه، فمن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكرهِ بقلبه، ولسانه. ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوفَ ما يكونون، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأنفال/٤٥] والمحبون يفتخرون بذكر أحبابهم وقت المخاوف، وملاقاة الأعداء، كما قال قائلهم١: