روضة المحبين

أميرًا، ومحكومًا عليه١ بعد أن كان حاكمًا، وتابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومَنْ صبرَ على حكمه أرتَعَه في رياض الأماني والمُنَى، ومن خرجَ عن حكمه أوردَه حِياضَ الهلاك والرَّدَى.

قال علي بن أبي طالب٢ ﵁: لقد سبقَ إلى جنات عدنٍ أقوامٌ ما كانوا بأكثر الناس صلاةً، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله مواعظَه، فوجِلَتْ منه قلوبُهم، واطمأنتْ إليه نفوسُهم، وَخَشَعَتْ له جوارحُهم، ففاقوا الناسَ بطيب المنزلة، وعلوِّ الدرجة عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة.

وقال عمر بن الخطاب٣ ﵁: ليس العاقلُ الذي يعرفُ الخيرَ من الشر، ولكنه الذي يعرف خيرَ الشرَّينِ [٤ أ].

وقالت عائشة٤ ﵂: قد أفلحَ من جعلَ اللهُ له عقلًا.

وقال ابن عباس٥ ﵄: وُلد لكسرى مولودٌ، فأحضَرَ

  1. (١) «عليه» ساقطة من ش.
  2. (٢) أخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٧).
  3. (٣) كما في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٦)، و«ذم الهوى» (ص ٧). ورُوِي نحوه عن عمرو بن العاص في «عيون الأخبار» (١/ ٢٨٠)، و«بهجة المجالس» (١/ ٥٣٥). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٧ - ٢٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٣٩) عن سفيان بن عيينة.
  4. (٤) «ذم الهوى» (ص ٨).
  5. (٥) الخبر عن ابن عائشة في «ذم الهوى» (ص ٨)، ونحوه في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣١).
13

بعض المؤدِّبينَ، ووَضَعَ الصَّبيَّ بين يديه، وقال: ما خيرُ ما أُوتي هذا المولود؟ قال: عقلٌ يُولد معه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فأدبٌ حسنٌ يعيشُ به في الناس. قال: فإن لم يكنْ؟ قال: فصاعقةٌ تُحرِقُه.

وقال بعضُ أهل العلم١: لما أهبطَ الله ﵎ آدمَ إلى الأرض أتاه جبريلُ ﵇ بثلاثة أشياء: الدين، والخُلُق، والعقل، فقال: إن الله يُخيِّركَ بين هذه الثلاثة، فقال: يا جبريلُ! ما رأيتُ أحسنَ من هؤُلاءِ إلا في الجنة، ومدَّ يدَه إلى العقل فضمَّه إلى نفسه، فقال للآخرَيْن: اصْعَدَا. فقالا: إنَّا أُمِرْنَا أن نكونَ مع العقل حيثُ كان. فصارت الثلاثة إلى آدمَ ﵇. وهذه الثلاثة أعظمُ كرامةٍ أكرمَ الله بها عبدَه، وأجلُّ عطيَّةٍ أعطاه إيَّاها. وجعل لها ثلاثة أعداء: الهوى، والشيطان، والنفس الأمّارة. والحرب بينهما٢ دُوَلٌ وسِجال؛ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران/١٢٦].

وقال وهبُ بن منبِّه: قرأْتُ في بعض ما أنزل الله تعالى: إنَّ الشيطانَ لم يُكَابِدْ شيئًا أشدَّ عليه من مُؤْمنٍ عاقل، وإنه ليسوقُ مئةَ جاهلٍ، فيستجِرُّهم

  1. (١) أخرج نحوه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٠) عن حماد رجل من أهل مكة. وأخرجه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ٢٠) عن علي. وانظر: «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٥)، و«بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣، ٥٤٤)، و«ذم الهوى» (ص ٩).
  2. (٢) ت: «بينها».
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي