ومن علاماتها: قلةُ صبر المحب عن المحبوب، بل ينصرف صبرُه إلى الصبر على طاعته، والصبر عن معصيته، والصبر على أحكامه، فهذا صبرُ المحب، وأما الصبرُ عنه؛ فصبر الفارغ عن محبته، المشغول بغيره قال١:
والصبرُ يُحمَد في المواطن كلِّهاوعن الحبيب فإنه لا يُحمَد
فمن صبر عن محبوبه، أدَّى به صبره إلى فوات مطلوبه، وقال بعض المُحبِّين:
ما أحسن الصبر وأمَّا علىأن لا أرى وجهك يومًا فلا
لو أنَّ يومًا منك أو ساعةًتُباعُ بالدُّنيا إذًا ما غلا
فصل
ومنها: الإقبالُ على حديثه، وإلقاءُ سمعه كلِّه إليه، بحيث يفرغُ لحديثه سمعه، وقلبُه، وإن ظهر منه إقبالٌ على غيره؛ فهو إقبالٌ مستعارٌ، يستبينُ فيه التكلُّف لمن يرمُقُه، كما قال٢:
وأُديمُ لَحْظَ مُحدِّثِي ليرىأن قد فهمتُ وعندكم عقلي
(١) البيت بقافية أخرى لمحمد بن عبد الله العتبي في التذكرة الحمدونية (٤/ ٢٦٣) وشطره الثاني فيه: «إلا عليك فإنه مذموم». وفي الرسالة القشيرية (ص ١٨٤): «يجمل» مكان «يحمد» في الموضعين.
(٢) البيت لمجنون ليلى في ديوانه (ص ٢٣٤)، والزهرة (١/ ٦٥)، ومصارع العشاق (٢/ ٩١).
فإن أعوزه حديثُه بنفسه؛ فأحبُّ شيء إليه الحديث عنه، ولاسيَّما إذا حدَّث عنه بكلامه، فإنَّه يقوم مقام خطابه، كما قال القائل: المحبُّون لا شيء ألذُّ [١٠٠ ب] لقلوبهم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم، ولهذا لم يكن شيءٌ ألذّ لأهل المحبَّة من سماع القرآن، وقد ثبت في الصحيح١ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأْ عليَّ» قلت: أقرأُ عليك، وعليك أُنزل؟ قال: «إنِّي أُحِبُّ أنْ أسمعهُ من غيري» فقرأْت عليه من أوَّل سورة النِّساء حتى إذا بلغت قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾[النساء/٤١] قال: «حسبك» فرفعت رأْسي فإذا عيناه تذْرِفان!
وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا؛ أمروا قارئًا يقرأ وهم يستمعون، وكان عمر بن الخطاب إذا دخل عليه أبو موسى؛ يقول: يا أبا موسى! ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأُ أبو موسى، وربما بكى عمر.
ومرَّ رسولُ الله ﷺ بأبي موسى وهو يُصلِّي من الليل، فأعجبته قراءتُه، فوقف، واستمع لها، فلما غدا على رسول الله ﷺ قال: «لقد مررتُ بك البارحة؛ وأنت تقرأُ، فوقفت، واستمعتُ لقراءتك» فقال: لو أعلمُ أنَّك كنت تسمعُ؛ لحبَّرته لك تحبيرًا٢.