روضة المحبين

بعض المؤدِّبينَ، ووَضَعَ الصَّبيَّ بين يديه، وقال: ما خيرُ ما أُوتي هذا المولود؟ قال: عقلٌ يُولد معه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فأدبٌ حسنٌ يعيشُ به في الناس. قال: فإن لم يكنْ؟ قال: فصاعقةٌ تُحرِقُه.

وقال بعضُ أهل العلم١: لما أهبطَ الله ﵎ آدمَ إلى الأرض أتاه جبريلُ ﵇ بثلاثة أشياء: الدين، والخُلُق، والعقل، فقال: إن الله يُخيِّركَ بين هذه الثلاثة، فقال: يا جبريلُ! ما رأيتُ أحسنَ من هؤُلاءِ إلا في الجنة، ومدَّ يدَه إلى العقل فضمَّه إلى نفسه، فقال للآخرَيْن: اصْعَدَا. فقالا: إنَّا أُمِرْنَا أن نكونَ مع العقل حيثُ كان. فصارت الثلاثة إلى آدمَ ﵇. وهذه الثلاثة أعظمُ كرامةٍ أكرمَ الله بها عبدَه، وأجلُّ عطيَّةٍ أعطاه إيَّاها. وجعل لها ثلاثة أعداء: الهوى، والشيطان، والنفس الأمّارة. والحرب بينهما٢ دُوَلٌ وسِجال؛ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران/١٢٦].

وقال وهبُ بن منبِّه: قرأْتُ في بعض ما أنزل الله تعالى: إنَّ الشيطانَ لم يُكَابِدْ شيئًا أشدَّ عليه من مُؤْمنٍ عاقل، وإنه ليسوقُ مئةَ جاهلٍ، فيستجِرُّهم

  1. (١) أخرج نحوه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٠) عن حماد رجل من أهل مكة. وأخرجه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ٢٠) عن علي. وانظر: «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٥)، و«بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣، ٥٤٤)، و«ذم الهوى» (ص ٩).
  2. (٢) ت: «بينها».
14

حتى يَركبَ رِقابَهم، فينقادون له حيث شاء، ويُكابِد المؤْمنَ العاقلَ، فيَصْعُب عليه حتى ينالَ منه شيئًا من حاجته، قال: وإزالة الجبل صخرةً صخرةً أهونُ١ على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل، فإذا لم يَقدِرْ عليه تحوَّلَ إلى الجاهل فيستأْسره، ويتمكن من قِيادِه حتى يُسْلِمه إلى الفضائح التي يتعجَّلُ بها في الدنيا: الجَلْد، والرجم، والقطع، والصلب، والفضيحة، وفي الآخرة: العار، والنَّار، والشَّنَار. وإنَّ الرجلين ليستويانِ في البِرِّ، ويكون بينهما في الفضل كما بينَ المشرق والمغرب بالعقل، وما عُبِدَ الله بشيءٍ أفضلَ من [٤ ب] العقلِ٢.

وقال معاذ بن جبل٣ ﵁: لو أنَّ العاقل أصبحَ وأمسىَ وله ذنوبٌ بعدد الرمل كان وشيكًا بالنَّجاة والتخلُّصِ منها، ولو أنَّ الجاهلَ أصبحَ وأمسى وله من الحسنات وأعمال البرّ عددُ الرمْلِ لكان وشيكًا أن لا يَسْلمَ له منها مثقالُ ذرَّةٍ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ٤ العاقل إذا زلَّ تداركَ ذلك بالتوبة والعقل الذي رُزِقَه، والجاهل بمنزِلة الذي يَبني ويَهدِم، فيأتيه من جهلِه ما يُفسِد صالحَ عمله.

  1. (١) ش: «أشد».
  2. (٢) الجزء الأخير من هذا الأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٨) عن وهب. وهو بتمامه في «ذم الهوى» (ص ٩).
  3. (٣) انظر «ذم الهوى» (ص ٩).
  4. (٤) ش: «إن».
15

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي