روضة المحبين

وقال الآخر١:

ما هو إلَاّ أن يراها فجاءةًفتصطكَّ رجلاه ويسقط للجنب

وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأَةً، كما قال٢: [١٠٢ ب]

وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيف من منىفهيَّج أشجان الفؤادِ وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنَّماأطار بليلى طائرًا كان في صدري

وقد اخْتُلف في سبب هذه الرَّوعة، والفزع، والاضطراب، فقيل: سببه أن للمحبوب سلطانًا على قلب مُحبِّه أعظم من سلطان الرعيَّة، فإذا رآه فجْأةً راعه ذلك، كما يرتاع من يرى من يعظِّمه فجأَة، فإن القلب معظمٌ لمحبوبه، خاضعٌ له، والشخص إذا فجئه المعظَّم عنده؛ راعه ذلك.

وقيل: سببُه: انفراجُ القلب له، ومبادرته إلى تلقّيه، فيهرب الدم منه فيبرد، ويرعد، ويحدث الاصفرار والرِّعدةُ، وربما مات، وبالجملة فهذا أمرٌ ذوقيٌّ وجدانيٌّ، وإن لم يعرفْ سببه.

فصل

ومنها: غيرتُه لمحبوبه وعلى محبوبه، فالغيرة له: أن يكره ما يكرهُ،

  1. (١) البيت بلا نسبة في الزهرة (١/ ٧٩)، ومصارع العشاق (١/ ٢٩٢)، ووفيات الأعيان (٤/ ٣١٧).
  2. (٢) البيتان لمجنون ليلى في ديوانه (ص ١٦٢). وهناك التخريج وبيان اختلاف النسبة. والشعر مع خبر في اعتلال القلوب (ص ٣٤٢).
384

ويغار إذا عُصي محبوبُه، وانْتُهِك حقُّه، وضُيِّع أمرُه، فهذه غيرة المحب حقًّا، والدِّينُ كلُّه تحت هذه الغيرة.

فأقوى الناس دينًا أعظمُهم غيرةً، وقد قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح١: «أتعجبُون من غيرة سعدٍ، لأنا أغْيَرُ منه، والله أغيرُ منِّي!».

فمحبُّ الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبَّته وإجلاله، وإذا خلا قلبُه من الغيرة لله ورسوله فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنَّه من المُحبِّين، فكذب من ادَّعى محبَّة محبوبٍ من الناس، وهو يرى غيره ينتهكُ حُرمة محبوبه، ويسعى في أذاه ومساخطه، ويستهين بحقِّه، ويستخفُّ بأمره، وهو لا يغار لذلك، بل قلبه باردٌ، فكيف يصحُّ لعبدٍ أن يدَّعي محبَّة الله؛ وهو لا يغارُ لمحارمه إذا انْتُهِكت، ولا لحقوقه إذا ضُيِّعت.

وأقلُّ الأقسام أن يغار له من نفسه، وهواه، وشيطانه، فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقِّه، وارتكابه لمعصيته.

وإذا ترحَّلتْ هذه الغيرةُ من القلب؛ ترحَّلتْ منه [١٠٣ أ] المحبَّةُ، بل ترحَّل منه الدِّين، وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصلُ الجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلتْ من القلب لم يُجاهد، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فإنه إنما

يأتي

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٨٤٦، ٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة.
385

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي