روضة المحبين

عنه ﷺ أنه قال: «لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من ولده، ووالده، والنَّاس أجمعين»١ وقال له عمر: والله يا رسول الله! لأنت أحبُّ إليَّ منْ كل شيء إلَّا من نفسي. فقال: «لا يا عُمَرُ! حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك» قال: فوالله لأنت الآن أحب إليّ من نفسي! فقال: «الآن يا عُمر!»٢.

فإذا كان هذا شأن محبة عبد ه ورسوله؛ فكيف بمحبته سبحانه؟ وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعًا وقدرًا، وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله؛ فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه، فحمله محبةُ غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله، وليست محبتُه لذلك المحبوب لذاته، بل لغرضه منه، وهذا المحبوب له مثل، ولمحبته مثل، وأما محبة الله؛ فليس لها مثلٌ، ولا للمحبوب مثل، ولهذا حكَّم الصحابة [١٠٤ أ] رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم، فقالوا: هذه أموالنا بين يديك، فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسُنا بين يديك، لو استعرضت بنا البحر لخُضْناه، نقاتل من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك. قال قيس بن صرمة الأنصاري٣:

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٩٤، ٦٢٦٤، ٦٦٣٢) من حديث أنس.
  3. (٣) الأبيات في سيرة ابن هشام (١/ ٥١٢)، ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥١٣ - ٥١٤)، والاستيعاب (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وزاد المعاد (٣/ ٥٣، ٥٤)، وفيها اسم القائل: أبو قيس صرمة بن قيس أو صرمة بن أبي أنس. وانظر الإصابة (٢/ ١٨٢).
388
ثوى في قريش بضع عشرة حِجَّةًيذكِّرُ لو يلقى حبيبًا مواتيا
ويعرضُ في أهل المواسم نفسهفلم ير من يُؤْوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقرت به النوىوأصبح مسرورًا بطيبة راضيا
بذلنا له الأموال من حل مالناوأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نُعادي الذي عادى من الناس كلهمجميعًا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيرهوأن رسول الله أصبح هاديا

فالمحبُّ وصفه الإيثار، والمُدَّعي طبعه الاستئثار.

فصل

ومنها: سروره بما يُسرُّ به محبوبه كائنًا ما كان، وإن كرهتهُ نفسه، فيكون عنده بمنزلة الدواء الكريه، يكرهه طبعًا، ويحبه لما فيه من الشفاء. وهكذا المحبُّ مع محبوبه، يسره ما يرضى به محبوبه؛ وإن كان كريهًا لنفسه. وأما من كان واقفًا مع ما تشتهيه نفسه من مراضي محبوبه فليست محبته صادقة، بل هي محبة معلولةٌ، حتى يُسَرَّ بما ساءه وسره من مراضي محبوبه. وإذا كان هذا موجودًا في محبة الخلق بعضهم لبعض؛ فالحبيب لذاته أولى بذلك، قال أبو الشيص١:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ
  1. (١) تقدمت الأبيات.
389

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي