روضة المحبين
إن كان سرَّكُم ما قال حاسِدُنافما لجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألمُ

واهتدمَه بعضهم فقال:

يا من يعزُّ علينا أن نُلِمَّ بهمإذْ بُعدُنا عنهم قد صار قصدهمُ
إنْ كان يُرضيكم هذا البُعاد فمافيه لِصبِّكمُ جرحٌ ولا ألمُ

ولعمرُ الله أكثر هذه دعاوي لا حقيقة لها، والصادقُ منهم يخبر عن عزمه وإرادته، لا عن حاله وصفته، ولقد أحسن القائل١:

رضُوا بالأماني وابْتُلوا بحظوظهموخاضُوا بحارَ الحبِّ دعوى وما ابتلُّوا
فهم في السُّرى لم يبرحوا من مكانهموما ظعنوا في السير عنه وقد كلُّوا

[١٠٥ أ] وإن كان هذا وصف قائلها بعينه وحاله؛ فإنَّه خاض بحار الحبِّ وما ابتلَّ له فيها قدم، فأخبر عن نفسه عند انكشافِ غطائه، وطلَبِ الرسلِ له لقدومه على ربه، فقال، وصدق٢:

إن كان منزلتي في الحب عندكمما قد لقيتُ فقد ضيَّعتُ أيامِي
  1. (١) ابن الفارض في ديوانه (ص ١٣٤ - ١٣٥).
  2. (٢) ابن الفارض في ديوانه (ص ٢٠٧).
391
أُمنيَّةٌ ظفرتْ نفسي بها زمنًافاليوم أحْسَبُها أضغاث أحلام

وهذه حال كل من أحبَّ مع الله شيئًا سواه، فإنه إلى هذه الغاية يصير ولابدَّ، وسيبدو له إذا انكشف الغطاءُ: أنَّه إنما كان مغرورًا، مخدوعًا بأُمنيَّةٍ ظفرت نفسه بها مدَّة حياته، ثم انقطعتْ، وأعقبتِ الحسرة والنَّدامة. قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٦ ــ ١٦٧].

فالأسبابُ التي تقطعت بهم هي: الوصل، والعلائق، والمودَّاتُ التي كانت لغير الله، وفي غير ذات الله، وهي التي تقدم إليها سبحانه فجعلها هباءً منثورًا، فكلُّ محبةٍ لغيره فهي عذابٌ على صاحبها، وحسرةٌ عليه إلا محبَّته، ومحبَّة ما يدعو إلى محبَّته، ويُعينُ على طاعته، ومرضاته، فهذه التي تبقى في القلب يوم تُبلى السرائر، كما قال١:

ستبقى لكم في مُضْمَر القلب والحشاسريرةُ حبٍّ يوم تُبلى السرائرُ

وقال الآخر٢:

إذا تصدَّع شملُ الوصلِ بينهمُفللمُحبِّين شملٌ غيرُ مُنْصدع
  1. (١) البيت للأحوص في ديوانه (ص ١١٨). وانظر سمط اللآلي (٢/ ٧٨٦).
  2. (٢) ذكرهما المؤلف بلا نسبة في الرسالة التبوكية (ص ٥٨).
392

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي