روضة المحبين
أُمنيَّةٌ ظفرتْ نفسي بها زمنًافاليوم أحْسَبُها أضغاث أحلام

وهذه حال كل من أحبَّ مع الله شيئًا سواه، فإنه إلى هذه الغاية يصير ولابدَّ، وسيبدو له إذا انكشف الغطاءُ: أنَّه إنما كان مغرورًا، مخدوعًا بأُمنيَّةٍ ظفرت نفسه بها مدَّة حياته، ثم انقطعتْ، وأعقبتِ الحسرة والنَّدامة. قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٦ ــ ١٦٧].

فالأسبابُ التي تقطعت بهم هي: الوصل، والعلائق، والمودَّاتُ التي كانت لغير الله، وفي غير ذات الله، وهي التي تقدم إليها سبحانه فجعلها هباءً منثورًا، فكلُّ محبةٍ لغيره فهي عذابٌ على صاحبها، وحسرةٌ عليه إلا محبَّته، ومحبَّة ما يدعو إلى محبَّته، ويُعينُ على طاعته، ومرضاته، فهذه التي تبقى في القلب يوم تُبلى السرائر، كما قال١:

ستبقى لكم في مُضْمَر القلب والحشاسريرةُ حبٍّ يوم تُبلى السرائرُ

وقال الآخر٢:

إذا تصدَّع شملُ الوصلِ بينهمُفللمُحبِّين شملٌ غيرُ مُنْصدع
  1. (١) البيت للأحوص في ديوانه (ص ١١٨). وانظر سمط اللآلي (٢/ ٧٨٦).
  2. (٢) ذكرهما المؤلف بلا نسبة في الرسالة التبوكية (ص ٥٨).
392
وإنْ تقطَّع حبلُ الوصلِ يومئذٍفللمُحبِّين حبْلٌ غيرُ منقطع

فصل

ومنها: حبُّ الوحدة، والأنس بالخلوة، والتفرُّد عن الناس، وكأنَّ المحبة قد ثبتت على ذلك، فلا شيء أحلى للمحبِّ الصادق من خلوته، وتفرُّده، [١٠٥ ب] فإنَّه إن ظفر بمحبوبه أحبَّ خلوته به، وكره من يدخلُ بينهما غاية الكراهة.

ولهذا السرِّ ــ والله أعلم ــ أمر النبي ﷺ بردِّ المارّ بين يدي المُصلِّي حتى أمر بقتاله، وأخبرَ أنَّه لو يدري ما عليه من الإثم؛ لكان وقوفُه أربعين خيرًا له من مروره بين يديه١. ولا يجدُ ألم المرور وشدَّته إلا قلب حاضرٌ بين يدي محبوبه، مقبلٌ عليه، قد ارتفعت الأغيار بينه وبينه، فمرورُ المارِّ بينه وبين ربِّه بمنزلة دخول البغيض بين المحب ومحبوبه، وهذا أمرٌ الحاكم فيه الذوق، ولا يُنكره.

وقال ابن مسعود: مرور المارِّ بين يدي المُصلِّي يُذهب نصف أجره، ذكره الإمام أحمد.

وأيضًا فإنَّ المحب يستأْنس بذكر محبوبه، وكونه في قلبه لا يُفارقه،

  1. (١) أخرجه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧) من حديث أبي جهيم.
393

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي