حتى يَركبَ رِقابَهم، فينقادون له حيث شاء، ويُكابِد المؤْمنَ العاقلَ، فيَصْعُب عليه حتى ينالَ منه شيئًا من حاجته، قال: وإزالة الجبل صخرةً صخرةً أهونُ١ على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل، فإذا لم يَقدِرْ عليه تحوَّلَ إلى الجاهل فيستأْسره، ويتمكن من قِيادِه حتى يُسْلِمه إلى الفضائح التي يتعجَّلُ بها في الدنيا: الجَلْد، والرجم، والقطع، والصلب، والفضيحة، وفي الآخرة: العار، والنَّار، والشَّنَار. وإنَّ الرجلين ليستويانِ في البِرِّ، ويكون بينهما في الفضل كما بينَ المشرق والمغرب بالعقل، وما عُبِدَ الله بشيءٍ أفضلَ من [٤ ب] العقلِ٢.
وقال معاذ بن جبل٣﵁: لو أنَّ العاقل أصبحَ وأمسىَ وله ذنوبٌ بعدد الرمل كان وشيكًا بالنَّجاة والتخلُّصِ منها، ولو أنَّ الجاهلَ أصبحَ وأمسى وله من الحسنات وأعمال البرّ عددُ الرمْلِ لكان وشيكًا أن لا يَسْلمَ له منها مثقالُ ذرَّةٍ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ٤ العاقل إذا زلَّ تداركَ ذلك بالتوبة والعقل الذي رُزِقَه، والجاهل بمنزِلة الذي يَبني ويَهدِم، فيأتيه من جهلِه ما يُفسِد صالحَ عمله.
(١) ش: «أشد».
(٢) الجزء الأخير من هذا الأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٨) عن وهب. وهو بتمامه في «ذم الهوى» (ص ٩).
(٣) انظر «ذم الهوى» (ص ٩).
(٤) ش: «إن».
وقال الحسن١: لا يَتِمُّ دينُ الرجل حتى يَتمَّ عقلُه، وما أودع الله امرأً عقلًا إلا استنقذه به يومًا.
وقال بعضُ الحكماء٢: من لم يكن عقلُه أغلبَ الأشياء عليه كان حتفُه وهلاكُه في أحبِّ الأشياء إليه.
وقال يوسف بن أسباط٣: العقل سراجُ ما بطنَ، وزينةُ ما ظهرَ، وسائسُ الجسد، ومِلَاك أمرِ العبد، ولا تَصلُحُ الحياة إلا به، ولا تدورُ الأمورُ إلا عليه.
وقيل لعبد الله بن المبارك٤: ما أفضلُ ما أُعطِيَ الرجلُ بعد الإسلام؟ قال: غريزةُ عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدبٌ حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخٌ صالحٌ يستشيرهُ. قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمتٌ
(١) «ذم الهوى» (ص ٩). وأخرج الجزء الأول عنه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٧)، وابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٩)، وانظر: «بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣). وأخرج الجزء الثاني عن حاتم بن إسماعيل في «روضة العقلاء» (ص ١٨). وهو عن الحسن في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٧).
(٢) هو أردشير كما في «الكامل» للمبرد (١/ ١٠٤)، و«التذكرة الحمدونية» (٣/ ٢٣٣). وانظر: «روضة العقلاء» (ص ٢٢)، و«ربيع الأبرار» (٣/ ١٤١)، و«المستطرف» (١/ ٥٤).
(٣) «ذم الهوى» (ص ١٠). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٣٠) عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي.
(٤) أخرجه عنه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٧). وانظر «ذم الهوى» (ص ١٠).