روضة المحبين

وقال الحسن١: لا يَتِمُّ دينُ الرجل حتى يَتمَّ عقلُه، وما أودع الله امرأً عقلًا إلا استنقذه به يومًا.

وقال بعضُ الحكماء٢: من لم يكن عقلُه أغلبَ الأشياء عليه كان حتفُه وهلاكُه في أحبِّ الأشياء إليه.

وقال يوسف بن أسباط٣: العقل سراجُ ما بطنَ، وزينةُ ما ظهرَ، وسائسُ الجسد، ومِلَاك أمرِ العبد، ولا تَصلُحُ الحياة إلا به، ولا تدورُ الأمورُ إلا عليه.

وقيل لعبد الله بن المبارك٤: ما أفضلُ ما أُعطِيَ الرجلُ بعد الإسلام؟ قال: غريزةُ عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدبٌ حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخٌ صالحٌ يستشيرهُ. قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمتٌ

  1. (١) «ذم الهوى» (ص ٩). وأخرج الجزء الأول عنه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٧)، وابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٩)، وانظر: «بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣). وأخرج الجزء الثاني عن حاتم بن إسماعيل في «روضة العقلاء» (ص ١٨). وهو عن الحسن في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٧).
  2. (٢) هو أردشير كما في «الكامل» للمبرد (١/ ١٠٤)، و«التذكرة الحمدونية» (٣/ ٢٣٣). وانظر: «روضة العقلاء» (ص ٢٢)، و«ربيع الأبرار» (٣/ ١٤١)، و«المستطرف» (١/ ٥٤).
  3. (٣) «ذم الهوى» (ص ١٠). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٣٠) عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي.
  4. (٤) أخرجه عنه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٧). وانظر «ذم الهوى» (ص ١٠).
16

طويل. قيل: فإن لم يكنْ؟ قال: موتٌ عاجل. وفي ذلك قيل١:

ما وهبَ الله لامرئٍ هِبَةًأحسنَ مِن عَقْلهِ ومِن أَدَبِهْ
هما جمالُ الفتى فإنْ فُقِدافَفَقْدُه للحَياةِ أجملُ بِهْ

فصل

وإذا كانت الدولة للعقل سالَمَهُ الهوى، وكان من خَدَمهِ وأتباعهِ، كما أنَّ الدولةَ إذا كانت للهوى صارَ العقلُ أسيرًا في يديْه، محكومًا عليه. ولمَّا كان العبدُ لا ينفكُّ عن الهوى ما دامَ حيًّا ــ فإنَّ هواه لازمٌ له ــ كان الأمرُ بخروجه عن الهوى بالكليَّة كالممتنع. ولكنَّ المقدور له والمأمور به أن يَصرِفَ هواه عن مَراتعِ الهلَكَةِ [٥ أ] إلى مواطن الأمن والسَّلامة.

مثاله: أنَّ الله ﷾ لم يأْمرْه بصرف قلبه عن هوى النساء جملةً، بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طابَ له منهنَّ من واحدةٍ إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محلٍّ إلى محل، وكانت الريحُ دَبورًا، فاستحالت صَبًا. وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأْمر٢ بالخروج عنه، بل أمرَ بصرفه إلى الظفر

  1. (١) البيتان بلا نسبة في «العقد الفريد» (٢/ ٤٢٣)، و«معجم الأدباء» (١/ ١٩) و«عين الأدب والسياسة» (ص ١٢٦)، و«غرر الخصائص الواضحة» (ص ٨٣).
  2. (٢) ت: «لم يؤمر».
17

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي