روضة المحبين

إرضاء النفوس الضعيفة بما يستخرج منها من محبة الله، ورسوله، ودينه، فإن النفوس متى نالت شيئًا من حظِّها؛ طُوِّعت ببذل ما عليها من الحق، ولم يتسع قلب عمر لذلك لما دخل، فأنكره، وكم بين من ترد عليه الواردات فكل منها يثني همته، ويحرك قلبه إلى الله، كما قال القائل١:

يُذكِّرُنيك الخيرُ والشرُّ والذيأخافُ وأرجو والذي أتوقعُ

وبين من تَرِد عليه الواردات فتشغله عن الله، وتقطعه عن سير قلبه إليه، فالقلب الواسع يسير بالخلق إلى الله ما أمكنه، فلا يهرب منهم، ولا يلحق بالقفار، والجبال والخلوات، بل لو نزل به من نزل سار به إلى الله فإن لم يسر معه سار هو، وتركه. ولا يُنكر هذا فالمحبة الصحيحة تقتضيه، وخذ هذا في المغنّي إذا طرب، فلو نزل به من نزل أطربهم كلهم، فإن لم يطربوا معه لم يدع طربه لغِلَظِ أكبادهم، وكثافة طبعهم. وكان شيخنا يميل إلى هذا القول، وهو كما ترى قوَّته، وحجَّته.

والتحقيق: أن المحبوب لذاته لا يمكن أن يكون إلا واحدًا، ويستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما، كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما، كلُّ ذات منهما مستغنيةٌ عن الأُخرى من جميع الوجوه، وكما يستحيل أن يكون للعالم ربَّانِ متكافئان مستقلَّان، فليس الذي يُحَبُّ لذاته إلا الإله الحق، الغنيُّ بذاته عن كل ما

  1. (١) تقدم البيت.
408

سواه، وكل ما سواه فقيرٌ بذاته إليه.

وأما ما يُحَبُّ لأجله سبحانه فيتعدَّد، ولا تكون محبة العبد له شاغلةً له عن محبة ربِّه، ولا يشركه معه في الحب، [١١٠ ب] فقد كان رسول الله ﷺ يحب زوجاته، وأحبهن إليه عائشة وكان يحب أباها، ويحبُّ عمر وكان يحب أصحابه، وهم مراتب في حبه لهم، ومع هذا فحبُّه كلُّه لله، وقوى حبه جميعها منصرفةٌ إليه سبحانه.

فإن المحبة ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه.

فالمحبَّة له وفيه من تمام محبته وموجباتها، لا من قواطعها، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحبُّ، ومحبة ما يعين على حبه، ويوصل إلى رضاه وقربه، وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه، ويتوصل به إلى حبه وقربه؟! وأما المحبة مع الله؛ فهي المحبة الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة/ ١٦٥].

وأصلُ الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله، فوالَوا عليها، وعادَوا عليها، وتألهوها، وقالوا: هذه آلهةٌ صغار تقربنا إلى الإله الأعظم. ففرقٌ بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة

409

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي