معه شركًا. وعليك بتحقيق هذا الموضع، فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك.
ويحكى أن الفُضيل دخل على ابنته في مرضها، فقالت له: يا أبه! هل تُحبني؟ قال: نعم. قالت: لا إله إلا الله، والله ما كنت أظن فيك هذا، ولم أكن أظنك تحب مع الله أحدًا، ولكن أفرد الله بالمحبة، واجعل لي منك الرحمة، إن يكن حبك لي حب رحمةٍ جعلها الله في قلب الوالد لولده، لا محبة مع الله. فلله حق من المحبة لا يشركه فيه غيره، وأظلم الظلم وضع تلك المحبة في غير موضعها، والتشريك [١١١ أ] بين الله وغيره فيها.
فليتدبَّر اللبيب هذا الباب، فإنه من أنفع أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى.
الباب الثاني والعشرون
في غَيْرَةِ المُحبِّين على أحبابهم
لمَّا كان هذا الباب متصلًا بباب إفراد المحبوب بالمحبة، ومن موجباته، فإن الغيرة بحسب قوة المحبة، وقوَّتها بحسب إفراد المحبوب؛ حسُن ذكره بعده.
وأصل الغيرة: الحميَّةُ، والأنفةُ، والغيرة نوعان: غيرةٌ للمحبوب، وغيرة عليه، فالغيرة له فهي الحمية له، والغضب له إذا استهين بحقه، وانتُقصت حرمته، وناله مكروه من عدوه، فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه، فهذه غيرة المحبين حقًّا، وهي غيرة الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به، واستحل محارمه، وعصى أمره.
وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب، وماله، وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه، فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفةٌ يكرهها محبوبه، ويمقته عليها، أو يفعل ما يبغضه عليه، ثم يغارُ له بعد ذلك أن يكون في غيره صفةٌ يكرهها ويبغضها.
فالدينُ كلُّه في هذه الغيرة، بل هي الدين، وما جاهد مؤمنٌ نفسه، وعدوَّه، ولا أمر بمعروف، ولا نهى عن منكر إلَّا بهذه الغيرة، ومتى خلت من القلب؛ خلا من الدين، فالمؤمن يغارُ لربه من نفسه، ومن غيره