طويل. قيل: فإن لم يكنْ؟ قال: موتٌ عاجل. وفي ذلك قيل١:
ما وهبَ الله لامرئٍ هِبَةًأحسنَ مِن عَقْلهِ ومِن أَدَبِهْ
هما جمالُ الفتى فإنْ فُقِدافَفَقْدُه للحَياةِ أجملُ بِهْ
فصل
وإذا كانت الدولة للعقل سالَمَهُ الهوى، وكان من خَدَمهِ وأتباعهِ، كما أنَّ الدولةَ إذا كانت للهوى صارَ العقلُ أسيرًا في يديْه، محكومًا عليه. ولمَّا كان العبدُ لا ينفكُّ عن الهوى ما دامَ حيًّا ــ فإنَّ هواه لازمٌ له ــ كان الأمرُ بخروجه عن الهوى بالكليَّة كالممتنع. ولكنَّ المقدور له والمأمور به أن يَصرِفَ هواه عن مَراتعِ الهلَكَةِ [٥ أ] إلى مواطن الأمن والسَّلامة.
مثاله: أنَّ الله ﷾ لم يأْمرْه بصرف قلبه عن هوى النساء جملةً، بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طابَ له منهنَّ من واحدةٍ إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محلٍّ إلى محل، وكانت الريحُ دَبورًا، فاستحالت صَبًا. وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأْمر٢ بالخروج عنه، بل أمرَ بصرفه إلى الظفر
(١) البيتان بلا نسبة في «العقد الفريد» (٢/ ٤٢٣)، و«معجم الأدباء» (١/ ١٩) و«عين الأدب والسياسة» (ص ١٢٦)، و«غرر الخصائص الواضحة» (ص ٨٣).
(٢) ت: «لم يؤمر».
والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرعَ له من أنواع المغالبات بالسِّباق وغيره مما يُمرِّنه ويُعِدُّه للظَّفر. وكذلك هوى الكِبْر والفخر والخُيَلاء مأْذونٌ فيه بل مستحبٌّ في محاربة أعداء الله.
وقد رأى النبيُّ ﷺ أبا دُجانةَ سِمَاكَ بن خَرَشَة الأنصاريَّ يتبخترُ بين الصفين، فقال: «إنها لَمِشْيَةٌ يُبغِضُها الله إلا في مثل هذا الموطن»١. وقال: «إنَّ من الخُيَلاء ما يُحِبُّها الله، ومنها ما يُبغِض الله، فالتي يُحِبُّها اختيالُ الرجل في الحرب، وعند الصَّدقة» وذكر الحديث٢.
فما حَرَّم الله على عباده شيئًا إلا عوَّضهم خيرًا منه، كما حَرَّم عليهم الاستقسامَ بالأزلام، وعوَّضهم منه دعاءَ الاستخارة، وحرَّم عليهم الرِّبا، وعوَّضهم منه التجارةَ الرابحة، وحرَّم عليهم القِمار، وأعاضَهم٣ منه أكلَ المال بالمسابقة النافعة في الدِّين، بالخيل والإبل والسِّهام، وحرَّم عليهم
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٦٥٠٨) من حديث أبي دجانة، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٠٩): فيه من لم أعرفهم. وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٢٣٣) من طريق معاوية بن معبد بن كعب بن مالك مرسلًا. ومعاوية مجهول. وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ٣٠٥)، وابن هشام في «السيرة» (٢/ ٦٧) عن رجل من الأنصار من بني سلمة مرسلًا. وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٥/ ٧٨) عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه. وابن جابر إن كان عبد الرحمن فهو مجهول كما قال ابن القطان. انظر: «تهذيب التهذيب» (٦/ ١٥٤).