والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرعَ له من أنواع المغالبات بالسِّباق وغيره مما يُمرِّنه ويُعِدُّه للظَّفر. وكذلك هوى الكِبْر والفخر والخُيَلاء مأْذونٌ فيه بل مستحبٌّ في محاربة أعداء الله.
وقد رأى النبيُّ ﷺ أبا دُجانةَ سِمَاكَ بن خَرَشَة الأنصاريَّ يتبخترُ بين الصفين، فقال: «إنها لَمِشْيَةٌ يُبغِضُها الله إلا في مثل هذا الموطن»١. وقال: «إنَّ من الخُيَلاء ما يُحِبُّها الله، ومنها ما يُبغِض الله، فالتي يُحِبُّها اختيالُ الرجل في الحرب، وعند الصَّدقة» وذكر الحديث٢.
فما حَرَّم الله على عباده شيئًا إلا عوَّضهم خيرًا منه، كما حَرَّم عليهم الاستقسامَ بالأزلام، وعوَّضهم منه دعاءَ الاستخارة، وحرَّم عليهم الرِّبا، وعوَّضهم منه التجارةَ الرابحة، وحرَّم عليهم القِمار، وأعاضَهم٣ منه أكلَ المال بالمسابقة النافعة في الدِّين، بالخيل والإبل والسِّهام، وحرَّم عليهم
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٦٥٠٨) من حديث أبي دجانة، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٠٩): فيه من لم أعرفهم. وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٢٣٣) من طريق معاوية بن معبد بن كعب بن مالك مرسلًا. ومعاوية مجهول. وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ٣٠٥)، وابن هشام في «السيرة» (٢/ ٦٧) عن رجل من الأنصار من بني سلمة مرسلًا. وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٥/ ٧٨) عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه. وابن جابر إن كان عبد الرحمن فهو مجهول كما قال ابن القطان. انظر: «تهذيب التهذيب» (٦/ ١٥٤).
(٣) ت: «وعوَّضهم».
الحريرَ، وأعاضَهم منه أنواعَ الملابس الفاخرة من الصُّوف والكَتَّانِ والقطن، وحرَّمَ عليهم الزِّنا واللِّواط، وأعاضَهم منهما بالنكاح والتَّسَرِّي بصنوف النساء الحِسان، وحرَّم عليهم شُربَ المسكر، وأعاضَهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرَّمَ عليهم سماعَ آلاتِ اللهو من المَعَازف والمَثاني، وأعاضَهم عنها بسماع القرآن العظيم والسَّبع المَثاني، وحرَّم عليهم الخبائثَ من المطعومات، وأعاضَهم عنها بالمطاعم [٥ ب] الطيبات.
ومن تلمَّحَ هذا وتأمَّلَه هانَ عليه تركُ الهوى المُرْدِيْ، واعتاضَ عنه بالنافع المُجْدِي، وعَرفَ حكمة الله ورحمته وتمامَ نعمته على عباده فيما أمرَهم به ونهاهم عنه وأباحه لهم١، وأنه لم يأمرْهم بما أمرَهم به حاجةً منه إليهم، ولا نهاهم عمَّا نهاهم عنه بخلًا منه عليهم، بل أمرهم بما أمرَهم إحسانًا منه ورحمةً، ونهاهم عما نهاهم عنه صِيانةً لهم وحِمْيَةً.
فلذلك٢ وضعنا هذا الكتابَ وَضْعَ عَقد الصلح بين الهوى والعقل، وإذا تمَّ عقدُ الصُّلح بينهما سَهُل على العبدِ محاربةُ النفس والشيطان، والله المستعان، وعليه التُّكلان. فما كان فيه من صَوابٍ فمن الله، فهو المُوَفِّقُ له والمُعِينُ عليه، وما كان فيه من خطأ فمِنِّي ومن الشيطان، واللهُ ورسولُه من ذلك بريئانِ.